الدكتور خالد المعيني: هيئة علماء المسلمين في مقدمة القوى الوطنية التي تصدت لمشروع الاحتلال   عدد القراء : 217   .


المقاومة العراقية أفشلت الهدف الاستراتيجي للاحتلال حتى بات يستجدي الخروج من العراق

يعاني العراق في فترة ما بعد الاحتلال الأمريكي الغاشم عام 2003م من ترد سياسي وتصارع مثير على سدة السلطة والحكم، كما وتشهد الساحة فلتاناً أمنياً واضحاً، ويعاني البلد من تدهور وانتكاسة اجتماعية واقتصادية تُلقى تبعاتها على كاهل المواطن، الذي لا حول له ولا قوة في هذا البلد الجريح..............

      حاوره/ حسين الدليمي - مكتب البصائر - القاهرة

 

تقييمُ العملية السياسية، والتحالفات التي استجدت مؤخراً في إطار تلك العملية.. وتقييم مشروع المقاومة، وبرنامجها.. وكيف تسير؟ وجهود القوى المناهضة للاحتلال.. ودورهم في رفض المشاريع الخطيرة التي يسعى الاحتلال لتنفيذها على أرض الرافدين.. كل تلك التساؤلات يسرنا مناقشتها مع الدكتور خالد المعيني، الناطق باسم المؤتمر التأسيسي العراقي الوطني.

- أهلاً وسهلاً بك دكتور معنا - أهلاً بكم وحياكم الله

البصائر/ يشهد البلد ما يسمونه (عملية سياسية) في ظل الاحتلال.. أنتم فضيلة الدكتور كيف تقيمون هذه العملية بعد مرور خمس سنوات من الغزو؟

الدكتور المعيني/ قدم الاحتلال الأمريكي إلى العراق بمشروعٍِ متكامل وباستراتيجية شاملة تكونت من صفحات عدة، منها الصفحة العسكرية، وتليها صفحات أخرى لعلّ أخطرها الصفحة السياسية، أو ما تسمى بـ(العملية السياسية) وتكمن خطورتها في أنها ترسخ مشروع الاحتلال وهيمنته، ومنذ البداية تأسست هذه العملية على قاعدة المحاصصة الطائفية والعرقية، التي حكمت ولا تزال تحكم أي نشاط سياسي في العراق منذ مجلس الحكم وقانون إدارة الدولة الذي ولد من رحمه الدستور الحالي وكذلك البرلمان والحكومات الاحتلالية المتعاقبة.. فهناك وزارات شيعية منذ خمس سنين كوزارة الصحة التي أجري احتفال فيها بمناسبة خروج آخر سني منها، وهناك وزارات سنية وأخرى كردية.

وفي المجمل هذه العملية السياسية وبهذه الاعتبارات مصابة بالشلل والعجز والفشل أو كما يطلق عليها حالياً بـ (الميتة سريرياً) كونها في خدمة مشروع الاحتلال، وليس لخدمة مصالح وثوابت الشعب العراقي.

البصائر/ دكتور في ظل هذا الشلل أو الموت الحكومي الذي تتحدث عنه، كيف تصف تلك التحالفات التي تقوم بها بعض الأحزاب السياسية كالتحالف الرباعي أو الخماسي أو غيرها؟

الدكتور المعيني/ هناك حقيقة بخصوص طبيعة هذه التحالفات، وهي أن أطرافها هم طاقم السلطة انفسهم الذين قدموا مع دبابات الغزو عام 2003م وترى معظم الفعاليات والسلطات موزعة بينهم، وخلفية هذه الأطراف معروفة منذ مؤتمر لندن 1992 حيث أقر فيه بإشراف سفير الولايات المتحدة الأمريكية لدى ما يسمى بالمعارضة العراقية (زلماي خليل زاد) أقر مبدأ تقسيم العراق كغنيمة بين هذه الأحزاب ثم قدمت مع الاحتلال، ولا تزال بخدمته، والاختلافات والتحالفات الحالية لا تتم على أساس مصالح الشعب العراقي بل على أساس مصالح هذه الأحزاب الفئوية والطائفية الضيقة، ولكنهم متفقون جميعاً بخدمة الاحتلال وأهدافه الاستراتيجية.

البصائر/ ولكن هذه التحالفات ربما أثمرت في تحقيق شيء من المكاسب أو المصالح.. ماذا تقول في وصف المستجدات السياسية والعسكرية، من خلال رجوع بعض الجهات المنسحبة من الحكومة إليها.. وما تشهده بعض مناطق العراق من حملات عسكرية في بغداد وجنوبها؟

الدكتور المعيني/ كما قلت سابقاً فإنّ فشل العملية السياسية ونتيجة لاستئثار طرف واحد من طاقم الحكم الاحتلالي وحرمان بقية الأطراف أدى ذلك إلى انسحاب بعض الأطراف وما يعادل (17)وزيراً منذ حوالي السنة وهذا لو حصل حتى في دولة إفريقية لاستقالت الحكومة، ولكن ذلك إثبات على أن من يمسك بمقاليد السلطة والحكم في العراق هم قوات الاحتلال..

وأقول أيضاً: إن الاحتلال اليوم يعيش مأزقاً على المستوى السياسي حيث أدى فشل معظم رموز طاقمه منذ خمس سنوات إلى حصول أشبه ما يكون بالعزل الكامل لهم، وأصبحوا سجناء المنطقة الخضراء، وبالتالي عملية انسحاب أو عودة أطراف العملية السياسية لا تعدو عملية شد وجذب بينهم لتحقيق أفضل الفرص وتحسين شروط تفاوضهم مع الحكومة للحصول على مكاسب ضيقة لأحزابهم.. لذا نراهم اصطفوا مع الحكومة في 2007/3/25 عند قيامها بإسناد وضوء أخضر أمريكي لضرب تيارات وعشائر عربية ترفض منذ خمس سنين مشروع الفدرالية، وجاء هذا التوقيت لأهميته في هذه السنة الانتقالية بالنسبة للإدارة الأمريكية ورغبتها الملحة في تحقيق ولو كسب جائزة تعادل كلفتها الهائلة جراء الحرب.

وهذه الجائزة هي قانون النفط، وبالتالي هذه العمليات العسكرية هي طلب أمريكي تنفذه الحكومة بالنيابة لتهيئة منضدة الرمل قبل انتخابات البلديات في 2008/10/1.

المقاومة رد فعل مشروع

البصائر/ في مقابل العملية السياسية دكتور توجد مقاومة وطنية باسلة غايتها تحرير العراق من براثن الاحتلال.. كيف تقيمون مشروع المقاومة بعد الشوط الكبير الذي قطعته في مقارعة الاحتلال وإفشال مشاريعه ومخططاته؟

الدكتور المعيني/ المقاومة العراقية ليست بدعة بين نظيراتها في العالم، وهي رد فعل مشروع، على عملٍ غير مشروع وهو العدوان والاحتلال الأمريكي.

ولغرض إجراء عملية تقييم موضوعية للمقاومة العراقية لابد من معيار ومقياس لذلك، ويأتي في مقدمة هذه المعايير هو النظر إلى أهداف الاحتلال الاستراتيجية وماذا تحقق منها؟ ثم ما هي الكلفة التي تكبدها قوات الاحتلال مادياً وبشرياً.

على مستوى الهدف الاستراتيجي للاحتلال وهو أن يتم احتلال العراق ويخلق فيه نموذجاً يعمم على مستوى الشرق الأوسط فقد أُفشل هذا الهدف تماماً وباتت الولايات المتحدة تستجدي الخروج ولا تجده.. أما على مستوى الهدف الاستراتيجي الثاني المتمثل في إخراج العراق من معادلة الصراع العربي الصهيوني نجد أن أمن (إسرائيل) أصبح أكثر هشاشة ومفاجأة إنجازات المقاومة وقدرتها على دحر الجندي الأمريكي وكسر إرادته قد أعطى دافعاً وثقة بالنفس للمقاومة اللبنانية والفلسطينية في تصعيد العمل العسكري ضد الكيان الصهيوني.

أما الهدف الاستراتيجي الأكبر وهو نفط العراق، فالمعركة لا تزال مستمرة، وهي سياسية أكثر منها عسكرية وعلى المقاومة بمعناها الواسع تعبئة شعبنا على رفض هذا القانون.

وعلى المستوى الآخر لإنجازات المقاومة هو الكلفة العالية التي تكبدتها الولايات المتحدة الأمريكية، فعلى المستوى المادي هي تنـزف (12)مليار دولار شهرياً، وتبلغ خسائرها المادية الإجمالية المنظورة وغير المنظورة ما قيمته (3)ترليون دولار.. أما الخسائر البشرية وعدا الأرقام الوهمية التي ينشرها البنتاغون لغرض الإبقاء على الروح المعنوية لجنوده فقد بلغت الخسائر بين جنوده وشركاته الأمنية أكثر من 30 ألف قتيل و (500)ألف جريح بينهم (300)ألف مختل عقلياً.

البصائر/ دكتور في ظل هذا الإنجاز العظيم التي تحدث عنه إلى أين تسير المقاومة؟ بمعنى: هل لها برنامج محدد في فترة الاحتلال وبعد خروجه من العراق؟

الدكتور المعيني/ في الصراعات الشمولية يستطيع طرف ما أن يدعي أنه انتصر على طرف آخر إذا ما استطاع كسر إرادته وإجباره على الاستسلام.. وفي حرب العراق بعد خمس سنين تبيّن أن الطرف الذي خارت قواه وضعفت إرادته ولم تعد لديه قضية يقاتل من أجلها هو الولايات المتحدة الأمريكية وليس الشعب العراقي الذي لا تزال صواريخه بعد خمس سنوات تدك المنطقة الخضراء في قلب بغداد.

إلا أن المقاومة العراقية بفصائلها وإن كانت تتجه حالياً نحو التوحد وهو الشرط الرئيسي للنصر كما تشير إلى ذلك تجارب الشعوب في المقاومة ركزت في الشوط الأول من الصراع وهو السنين الخمس الأولى على عنصر واحد من عناصر الصراع على أهميته وهو العامل العسكري في حين أهملت أو تراخت عن العناية بعناصر الصراع المكملة الأخرى واقصد بها السياسية والاجتماعية والاقتصادية، وكان هناك تقصير واضح ونقص في كيفية التعامل مع هذه العوامل من خلال استراتيجية واضحة وهكذا، في الوقت الذي نجحت فيه المقاومة على دحر الاحتلال عسكرياً وأن تذل جبروت القوة الأعتى عسكرياً في العالم، إلا أنه حصلت اختراقات ونجاحات للعدو على المستوى الاجتماعي والاقتصادي، وذلك سبب أكيد في بروز ظاهرة الصحوة وانخراط نسبة كبيرة من شبابنا في هذه الظاهرة في حين أنهم كانوا من ضفتنا وحصتنا.

هناك حاجة في الشوط الجديد للمقاومة وهناك بشائر ايجابية في الالتفات إلى الفعاليات الاجتماعية والسياسية وعدم الترفع عليها وكذلك طرح برنامج سياسي موحد بالاستعانة بمتخصصين يصف شكل الحكومة الانتقالية أو حكومة ما بعد الاحتلال.

العراق عصب الطاقة العالمي

البصائر/ يسعى الاحتلال الأمريكي إلى تنفيذ مشاريع خطيرة على حساب الشعب العراقي ووحدته وثروته.. ومنها مشروع الفدرالية وكذلك مشروع النفط وغيرها.. السؤال هنا: ما الآثار والتداعيات المترتبة على تنفيذ مثل هذه المشاريع الخطيرة؟

الدكتور المعيني/ يمثل العراق بخزينه النفطي الذي يبلغ (350)مليار برميل عصب الطاقة العالمي للقرن الحادي والعشرين، لذا فمن سيتحكم به سيتحكم بمقدرات السياسة الدولية والتربع على هرم النظام السياسي الدولي.. وأهمية هذه الحقيقة تدفع الغزاة إلى أن السيطرة على العراق لا يمكن أن تتم إلا بتفتيته وتقسيمه بغية السيطرة لاحقاً على ثرواته.

والفدرالية الواردة في الدستور في حقيقتها كونفدرالية، فهناك صلاحيات لدستور خاص وعلم وجيش وصلاحيات عقد اتفاقيات اقتصادية وفتح قنصليات، وبالتالي نتيجة تطبيق هكذا مشروع هو تحويل العراق إلى كيانات هزيلة متصارعة ومتناحرة على السلطة والثروة.

البصائر/ دكتور ننتقل إلى جهود القوى المناهضة للاحتلال الأمريكي وجديدها على الساحة.. أريد أن أسألك عن آخر نشاطات المؤتمر التأسيسي تحديداً باعتبارك ناطقا رسمياً باسمه؟

الدكتور المعيني/ هناك إنجازات غير منظورة نتيجة لصمود وبطولة المقاومة العراقية لعل أهمها هو عودة الوعي لأبناء شعبنا وانكشاف زيف وخداع الطبقة السياسية والمرجعيات المزيفة والتي حاولت حقن أهلنا في الجنوب بمورفين الطائفية والمظلومية وغيرها من أكاذيب الشحن الطائفي التي استغلت بشكل ظالم وبشع لتمرير كثير من مشاريع الاحتلال.. وبعد خمس سنين تجد القوى المناهضة للاحتلال نفسها في موقع أصلب وأقوى بفضل المقاومة وبلحظة تاريخية إذا كانت سابقاً خاطئة في التأخر عنها فإنها حالياً إذا ما تجاوزتها سترتكب خطيئة لا تغتفر بحق شعبنا ودماء شهدائه، هذه الفرصة متمثلة بضرورة تشكيل مرجعية سياسية وطنية وحاضنة للمقاومة المسلحة بغية تصعيدها وتعبئة شعبنا لا توجد مؤشرات على ذلك بالمعنى الواسع، إلا أنه منذ بداية الاحتلال تصدت مجموعة قوى وطنية لمشروع الاحتلال وكان في مقدمتها هيئة علماء المسلمين، ثم تشكل أول إطار وطني وليس طائفياً في مواجهة المشروع التقسيمي والفتنة في العراق وهو المؤتمر التأسيسي الوطني الذي ضم عدة قوى لا تزال ثابتة على موقفها والثوابت العليا للشعب العراقي، وهي:

1- استقلال العراق.

2- وحدة العراق أرضاً وشعباً.

3- هوية العراق العربية والإسلامية.

وحالياً المؤتمر التأسيسي وبدعم من هيئة علماء المسلمين استعاد دوره نتيجة لثبات وصحة رؤياه بعد خمس سنين وانضمت عدة قوى إليه، ومن المتوقع أن يلعب في الفترة القادمة دوراً مهماً في إعادة تحشيد وتعبئة شعبنا على أساس وطني وليس طائفياً.

البصائر/ هل لكم كلمة أخيرة تقولها للعراقيين في ظل الامتحان الصعب الذي يواجهونه؟

الدكتور المعيني/ أقول: بعد أن أثبت العراقيون أن نسيجهم الوطني صلب وعصي على التمزيق، عليهم الآن القيام بالمزيد من رص الصفوف والتواصل والوحدة، فهي من سيهزم الاحتلال، وعليهم المزيد من الصبر، والحذر من الوقوع بحبائل الاحتلال وأدواته.. وعليهم البقاء على جذوة المقاومة والجهاد فهو السبيل الوحيد لإجبار قوات الاحتلال على الرحيل، والمقاومة فقط من سيجعل بقاء الاحتلال في العراق أمراً مستحيلاً.

وهناك بشائر حقيقية على هزيمة الاحتلال؛ فهناك انقسام كبير في عقر داره، وهناك خذلان وعجز على مستوى عملائه وأدواته في العراق.. وهناك توحد ورغبة أكيدة في التواصل لدى قواه الوطنية، والمقاومة وفصائلها وهي تجتاز السنة الخامسة أكثر صلابة وأشد عزيمة وأقوى شكيمة وإصراراً على تحقيق النصر الذي يرونه بعيداً ونراه قريباً إن شاء الله.

- شكراً لكم وبارك الله فيكم.

- شكراً لكم