فطاحل العراق يهجرون.. يموتون.. يدفنون.. غرباء   عدد القراء : 171   .


د.عمر الكبيسي

بالأمس القريب رحل رئيس الجمهورية الأسبق عبدالرحمن عارف، هجر ومات ودفن في المهجر بمقابر العراقيين في عمان، وقبله رحلت الشاعرة الرائدة نازك الملائكة ودفنت في القاهرة، واليوم الدكتور خالد ناجي، ورواد غيرهم كثر من الضباط الأحرار والعلماء واساتذة الجامعات والطيارين والمهندسين وخطباء المساجد ومفتي الديار، يتساقطون بعيدا عن العراق واحسرتاه! يموتون غرباء.. ويدفنون غرباء بعد ان قدموا للعراق أعمارهم وأفكارهم وسواعدهم، يموتون واأسفاه! وفي صدورهم حسرة، وتحت جفونهم دمعة لوطن تفانوا في بنائه حجرا حجرا متحدين موحدين، ويتساقطون اليوم فرادى نجما خلف آخر، واضيعتاه للعراق بيد المحتلين والعملاء! دمروا مدنه، وقتلوا نخبه، وهجروا أهله، وسرقوا خيراته، وأسلموا قياده للطامعين الأجانب. وهذه قصة علم من أعلامه، كان من أكبر وأوائل جراحيه وأقدم اساتذة كلية الطب بجامعة بغداد.

كنا مجموعة من الاطباء المهجرين الموجودين في عمان نتابع عن كثب حالة أستاذنا خالد ناجي، نزوره تارة في سكنه وتارة في المستشفى، وكانت زيارات ترويحية أكثر منها طبية، فقد كنا ندرك طبيعة مرضه وان أستاذنا رحمه الله يعيش أيامه الأخيرة، وكنا من دفعات طلابهِ على فتراتٍ متباعدة ودوراتٍ واختصاصات مختلفة، وبأعمار متباينة، وكنا في كل مرةٍ حتى في يومه الأخير نزوره فيها نستذكر بعد الزيارة لمحات وطرائف ووقائع واحداثا تتعلق بمسيرة هذه الشخصية الطبية والابداعية المتميزة ذات الطعم الخاص، والنكهة المتميزة، والطبيعة المتفردة والمسيرة الطويلة المثيرة للجدل والمليئة بالنشاط والحيوية والمفاجآت والإنجازات والانتكاسات والإحباطات.

 ومع اننا كنا نتفاوت في تقييم هذا الحدث او ذاك في مسيرته لكننا كنا جميعا نتفق في ان خالد ناجي ترك في شخصية كل طالب درسه وكل طبيب تدرب على يديه، وكل زميل رافقه بالعمل، وكل من أصغى لمحاضرته او بحثه، حكمة لا تنسى، او نصيحة لا تثمن، او مهارةً وخبرة ظل له بسببها مَدينا.

لقد كان الاستاذ الراحل قد امضى اكثر من خمسة عقود بالعمل جرّاحا ومدرسا وباحثا ومحاضرا ومشرفا، فتأمل كم هي هذه الأعداد الهائلة من الأطباء والمتدربين والدارسين والباحثين الذين ترك خالد ناجي لمساته فيهم؟ ناهيك عن الأعداد الهائلة من المرضى والجرحى والمراجعين الذين من الله بسببه عليهم بالشفاء وتخفيف المعاناة، ولا أعتقد ان طبيباً عراقياً آخر ينافسه في متابعة هذا القدْر الكبير من المرضى مذ كان خالد ناجي واحدا من الأطباء الذين يُعدون بعدد الأصابع ويشار إليه بالبنان في العراق ولعقود عديدة.

يكاد يكون الفقيد رحمه الله الوحيد من أقرانه من الذين سنحت لهم الفرصة للدراسة والتدريب خارج العراق ولم يفعل، وقد يكون سبب ذلك انه نال فرصاً ثمينة للتدريب وملازمة العديد من اساتذة الكلية الطبية الأجانب من فحول الجراحة المشهورين الذين تم استقدامهم للتدريس من المملكة المتحدة والذين وَجدوا في نشاط خالد ناجي وتشبثه بالعمل معهم فرصة أفضل مما سيحصل عليه من اي زمالة او تدريب خارج العراق حيث كان المستشفى الملكي (المجيدية) التعليمي لكلية الطب يستقطب أعداداً هائلة من الحالات الجراحية التي تشكل اكبر مادة دسمة للعمل والتدريب والخبرة قلما يحظى بها اي طبيب حديث التخرج في ذلك الزمان، وبفترة وجيزة نال الراحل درجة الماجستير في الجراحة عام 1947 وأصبح استاذاً مساعداً في كلية الطب عام 1948وهو لم يبلغ بعد من العمر الـ 25 عاما، وهو من مواليد بغداد - رأس القرية عام1923 .

وهكذا صير خالد ناجي من تمسكه بالبقاء في العراق وعزوفه عن السفر للدراسة خارج العراق فعلا عده تميزاً عن غيره وزاده التصاقاً وتمسكاً بالعراق وأضفى على شخصيته طابعاً من الفخر والاعتزاز بالمدرسة الطبية العراقية التي ظل يفخر بأنه تلميذها، وكان يحسن استقبال الوفود الطبية والمحاضرين الذين يفدون الى العراق من الخارج للتدريس والتطبيب ويجيد اسلوب مناقشتهم وافحامهم ويعرض لهم الحالات النادرة والوقعات السريرية الحرجة وطرق معالجته لها بكبرياء وفخر ويعتبر ذلك فخراً لوطنه، ما يبهر عقولهم لكثرة ما يحتفظ به من توثيقات ونماذج باثولوجية ومصورات لهذه الحالات ويحتفظ بها في غرفة تدريسه الزاهرة في الردهة التي امضى فيها اكثر من خمسة عقود حين دخلها مقيماً وتركها أستاذا عند الانتقال الى بناية مدينة الطب الحديثة حيث فارقها بمرارة.

واهتم خالد ناجي بالموروث الطبي العراقي وتفرغ لفترةٍ غير قصيرة بعد تقاعده الوظيفي المفروض عليه الذي شكل فترة إحباط له استغلها للغوص في القراءة والبحث في أتون الطب العراقي والعربي القديم ونشر وألقى أروع البحوث والمحاضرات في المؤتمرات الطبية والعلمية والنشرات العربية، ونشط في جمعية تاريخ الطب وبيت الحكمة ودار الرواد نشاطاً مكثفاً ملأ الفراغ الذي ما اعتاد عليه خلال هذه الفترة وهكذا مرةً أخرى يوظف خالد ناجي فترة تقاعده لتكون مرحلة إضافاتٍ وإبداعاتٍ متميزة من إنجازاته. وهو عضو في اتحاد المؤرخين العرب وجمعية الرواد، ومرحلة تدريس لطلبة الدراسات العليا في معهد التراث التاريخي وأسهم في تطوير كليات الطب العراقية حين كلف برئاسة اللجنة المشرفة عام 1997 لسنوات عديدة. نال الراحل درجة الأستاذية عام 1966وابتكر العديد من الطرق العلاجية للحروق والأكياس المائية وسقوط الشرج وسرطان الثدي وزرع الغدة الدرقية اللسانية بالبطن وزار العديد من المراكز الطبية وحاضر فيها ونال العديد من الجوائز والشهادات الفخرية، وهو شديد الفخر بأصالة علمه وعراقية خبرته، عاش ومات ولم يعمل كجراح او طبيب ولم يندرج كطالب او متعلم في أي مستشفى او مؤسسة تعليمية خارج العراق ومات وهو فخور بذلك ويعتبرها دليل أصالةٍ وإبداع وثيق الارتباط بالجذر والتربة.

لخالد ناجي المنحدر من عائلةٍ فلاحية ترجع في جذورها لعشيرة الزبيد في ديالى ومن مواليد وسكنة رأس القرية المنصفة لشارع الرشيد ببغداد القديمة له منا الف تحية وسلام.