مفارقات المشهد العراقي في ظل الاحتلال وأتباعه   عدد القراء : 171   .


جاسم الرصيف

تفيد حكايات جدّاتنا ان: الغراب كان يتبختر بمشية جميلة، ولكن غيرته وحماقته جعلتاه يحاول تقليد مشية الحمامة ففشل ولم يتعلمها، وعندما اراد العودة الى مشيته القديمة وجد أنه (ضيعها !!) ومنذ ذلك اليوم يرى الغراب وهو يتقافز كالملسوع وحده من دون كل الطيور، لذا يوصف بأنه من ضيّع المشيتين.

لست حاقدا على (السادة)، ولست تابعا لمسود، لأنني (سيّد) مرتين، وفق تجنيحات المعاني السائدة في العراق، ولكنني اتابع اخبار(السادة) الجدد فلا ارى فيهم سيدا واحدا لنفسه في الأقل، وهم يشاركون عهد الاحتلالين، بأياد ملوثة بدماء الأبرياء من العراقيين، وجيوب ملأها حقدها العجيب على كل عراقي يريد ان يكون سيدا في عراق حرّ مستقل حقا لا فرق فيه بين الناس. ومن يدعي عكس ما قلت، فليقدم لي اسما (لسيد) واحد، شيعي او سني، من المشاركين في هذه الحكومة نظيف اليد والضمير، لأضع اسمه على جبهتي.

(السادة) في العراق يذبحون العراقيين بخنجرين، واحد يحمل علم (العم سام) والآخر موسوم بختم (الخال الفارسي خام)، ولا بأس من الاستعانة بابن الأخت الكردي (طام) اذا اقتضت الحاجة مزيدا من دماء العرب العراقيين، ولأنهم تحولوا من (آل بيت) مسلم عربي معروف التأريخ والقيم الى: (آل بيتين وثلاث ورقات)، فقد طلّقوا علنا قدر الله في مؤاخاته للمسلمين، الذين يدعون انهم (مرجعيتهم). واحتقروا علنا مشيئة الله في خلقنا عربا، واحتقروا معها كل قيم (آل البيت) الدينية والاجتماعية، واعلنوا منذ بدء الاحتلال انهم ضد كل ما هو عربي في العراق، بل راحوا يستنكفون ويتعالون، بمنتهى العنجهية المرفوعة على سلاح الاحتلالين، على قدر الله هذا على دلالة نفيهم لعروبة ما لا يقل عن (85%) من الشعب العراقي مازالوا يحترمون هذا القدر، ودلالة خراب اصيل في نفوسهم راحوا يتذابحون من جرائه مع بعضهم على منصب تحت سلطان الاحتلالين وولاية بئر نفط منهوب منا. غربان ضيعت المشيتين! عندما ثارت (الفلوجة) وبعدها (الرمادي) ضد الاحتلال، وقبل ان يمضي شهره الأول، سكت (آل البيتين والثلاث ورقات) سكوت الشريك المريب لقوات الاحتلال وهي تقصف الأهالي بالأسلحة المحرمة دوليا، بل سعى بعضهم علنا لمحو المدن (الارهابية) الثائرة ضد الاحتلال من خريطة العراق، بعد ان محاهم عن مرض موثق مع قدر الاخوّة من ضميره الانساني الذي تحجر على موالاة احتلال اجنبي متعجرف ادمن القتل الجماعي وعدّ العراقيين مجرد صراصير او جراد يجب أن يمحوا.

والآن، ما عاد العربي الشيعي البريء من ذنوب كل الأطراف يعرف ان كان الجندي الأمريكي المعمّم الذي يطلق عليه النار فارسيا من حاضنة منظمة (بدر)، ام ان الجندي (العراقي) الذي يفجره بأمر السادة هو امريكي متنكر. وعندما يسمع المرء صرخات الثكالى والأطفال في مدينة (الثورة)، ببغداد، والمدن الشيعية الجنوبية التي قرفت من احتلال (السادة) الايرانيين والأمريكان، والتي مسّ عديد ضحايا غارات الاحتلالين عليها في مدينة (الثورة) وحدها كتف الألف وجرحاها مروا على الرقم الفين خلال شهر واحد، يتساءل العاقل: علام إذًا كانت لافتات (الحرب الطائفية) التي ادعى كل اطراف (السادة)، سنة وشيعة، حصول (مظلوميتها) في معاقلهم المسيّرة (بالستلايتات) الأمريكية والايرانية، اذا كان الاحتلال المزدوج لا يرحم شيعيا ولا سنيا حتى لو جاءت براءته مختومة من كل سادة الأرض. أكانت تلك الحرب ليوم كيوم (الفلوجة)، ثورا ابيض أكل في فسفور ابيض، على أيادي (السادة) من (آل البيتين والثلاث ورقات)، أم ليوم كيوم مدينة (الثورة) أكل فيه الثور الأسود في كفّ (سيّد) طغى في مزابل المراعي الخضراء بقوّة غيره وعربد؟! الجواب صار معلوما واضحا الآن لعرب العراق، سنة وشيعة: ستؤكلون واحدا بعد الآخر على ذنب ولادتكم عربا، واول آكليكم هم (السادة) الجدد المصابون بسرطان الخيانة والتواطؤ مع الأجانب. سجلوا لأنفسهم عارات يستحيل محوها، ليس لأنهم ضيعوا المشيتين حسبُ، بل لأنهم كانوا اكثر الخونة حماسة من (اولاد العامّة) في دلالة الأجنبي لاحتلال بلدانهم واهانة انسانية من يفترض انهم اهلهم، حتى صارت (الفلوجة)، والمدن العربية السنية، معقلا (للإرهابيين)، في عهدهم، وصارت مدينة (الثورة) وغيرها من مدن العرب الشيعة معقلا (للمطلوبين)، وكلاهما يحمل ذنبا واحدا هو قدر الله في خلقهم عربا رافضين للاحتلالات وعشاقا حقيقيين للحرية. أهو قدرنا نحن العراقيين، شيعة وسنة، ان يغرر بنا وتبقى ذقوننا (مضحكة) محصورة بين شق شيعي، وشق سني تتعالى منه عتابات (الصحوة) والغفوة في: (يا ذيب ليش تعوي حالك مثل حالي)! أم انها غفلة مؤكّدة من عرب العراق عموما، لا قوة لهم ولا حيلة لهم، الا في وحدتهم ضد الاحتلالين تحت مرجعية واحدة، لا تخون نفسها ولا تخون الآخرين قط هي: العراق الواحد؟!.

أرسل سيدنا نوح (عليه السلام) من سفينته الغراب رسولا باحثا عن برّ امان فلم يعد لمن أرسلوه بشارة، وكان خائن الأمانة الأول بعد الطوفان. وها نحن نرى من ضيعوا المشيتين من (سادة)، سيّدهم بعضنا علينا طوعا وعن غباء اكيد، يعودون الينا، ليس بشارة أمان، بل بطائرات ومدافع اجنبية تهدم بيوتنا على رؤوسنا ورؤوس اطفالنا، لأن بعضنا اختار طوعا الا يحترم قدر الله في خلقه عربيا صار هو ومن معه الهدف الأول والأخير، بريئا كان ام ارهابيا ام مطلوبا، لكل غاز وطامع بوطننا المحتل.