| المقابر الجماعية من طريق الموت إلى المحمودية/شهاب أحمد   عدد القراء : 166   .
عاش الأمريكان في ربيع وردي لا تطلق عليهم رصاصة، ولا يستهدفهم أحد في صورة من صور التحالف المعهود بين محتل وخائن، وكانت المكافأة الأمريكية إعطاء المليشيات الحرية المطلقة في التحرك والقتل والاختطاف والتهجير، ولم تفلح محاولات السكان الشكوى بالأدلة القاطعة في تغيير ذلك الحال، مثلما لم تفلح عشرات الكتب التي وجهتها قوى سياسية، إلى مكتب المالكي، وإلى وزير الدفاع العبيدي لأن مقتدى الصدر وعصابته، هم الآن أهداف لعبة لتحجيمهم، بالضغط والاستهداف، فإن المتوقع أن يُزاح الستار عن بعض جرائمهم، ومقبرة المحمودية هي واحدة من الجرائم التي كشف عنها، ويحتمل أن تليها (اكتشافات) وتفعيل لملفات كانت أُخفيت عن الأنظار، مثل ملف مقتل عبدالمجيد الخوئي والتمثيل بجثته هو وحيدر الكليادار في نيسان 2003م. وهذا الضغط والابتزاز لن يستمرا طويلاً، فكلاب السوق تتعاوى وتتقاتل بالظفر والناب، ثم تجدها بعد قليل متسالمة تتشارك الطعام من مزبلة واحدة. المتوقع أنه لو اكتشفت مئات المقابر الجماعية، فإن عتاة الطائفيين في العراق وأذنابهم وشركاءهم، لن يهتزوا أو يصرخوا أو يلطموا على رؤوسهم، فالأمر لا يعنيهم ولا يمكن توظيفه في تبرير الخيانة والعمالة وبيع الأوطان. هي مقبرة لأهل السنّة، وليست لموالين داخلين في حساب المظلومية التاريخية. ولنبدأ من حيث انتهى مسلسل المقابر الجماعية، مقبرة المحمودية بل قل مقابر المحمودية، فهذه المدينة الصغيرة الوادعة، التي كان يعيش فيها الناس، لا يسأل أحد أحدا عن مذهبه، أو عقيدته، تحوّلت إلى مسلخ بشري. منذ عام 2006م وحتى منتصف عام 2007م، شهد العراق الفصل الأكثر دموية في العراق، وقد نالت المحمودية نصيبها الوافر من التقتيل والاختطاف والتهجير والإخفاء وغصب الممتلكات، حيث بدأ الزحف المغولي إلى المدينة، وجوه غريبة، مشردون متعودون على النهب والعيش حيثما اتفق، بانتظار فوضى سانحة تنشط فيها غرائزهم على السلب والنهب. والفوضى السانحة حلّت .. كانت القوة المكلفة بحماية المحمودية، تتمثل باللواء الرابع من الفرقة السادسة، الذي يتمتع فيه مدير مكتب الصدر أحمد اللامي بنفوذ واسع، بل إن آمر الفوج الثاني من اللواء، العقيد فوزي كاظم السوداني، يتصرف مع اللامي كتعامل العبد مع السيد، أما آمر اللواء العقيد الركن علي جاسم الفريجي، فهو يخاف من جيش المهدي أكثر مما يخاف الله. وفي المحمودية، مكتب تابع لوزارة الدولة لشؤون الأمن الوطني، مهمته جمع المعلومات عن أهل السنّة وتسليمها مباشرة لمكتبي الصدر، ومكتب بدر في المدينة. ولإرضاء أحمد اللامي، الحاكم بأمره في المحمودية، قام أفراد من اللواء بقتل الشباب الملتزم، كمقدمة لمجازر لاحقة، أخذت تزحف على المدينة، كان الهدف أهل السنّة، وفي مقدمتهم، الملتزمون دينياً من أئمة الجوامع والخطباء والشبان رواد المساجد. حملة البرق في صيف 2005م، افتتحت نشاطاتها باعتقال العشرات من شبان المحمودية، في هجمة على المساجد وعلى العوائل التي اشتهرت بالتزامها الديني، مع موجة من التهجير والاعتقال، وفي مداهمة واحدة على مجمع القادسية اعتقل(12) شاباً لم تظهر آثارهم إلى اليوم، والمرجح إنهم من الراقدين قبور المحمودية التي تكتشف اليوم. أحيطت المدينة بشكل محكم، حتى بات من يريد أن ينجو وينقذ عياله من موت أو اختطاف، لا يستطيع المغادرة، بل عليه انتظار صولات عناصر المليشيات والقوات الحكوميّة، التي (طهرت) سوق المدينة من كل بائع سني، بالقتل والاختطاف، وأخذت مكاتب الصدر تنتشر بشكل لا ينسجم حتى مع حجم المدينة الصغيرة، التي باتت عصابات جيش المهدي تتجول في أسواقها بأسلحتها، وتحت سمع الأمريكان وبصرهم، وتعتقل على الهوية كل سني. وتدريجياً، أخذت المدينة تتبدل، فجلب مكتب الصدر أفواجا من الزمر المؤيدين له، من مدينتي الديوانية والعمارة وزعهم في البداية على الحسينيات، ومنازل (الموالين)، وأسكن القسم الأكبر منهم في الشقق التي غصبتها قطعان جيش المهدي من أصحابها، بالتعاون مع القوات الحكومية في مجمع القادسية وفي الجزائر وفي حي القادسية. ثارت عشائر المحمودية على أولئك الدخلاء المجرمين، فهاجمت مجموعة منهم وكر الجريمة الرئيس في المدينة مكتب الصدر، وقتلت عدداً من أفراد جيش المهدي المتورطين بعمليات قتل واختطاف لا تحصى، إذ بلغ عدد المفقودين من هذه المدينة الصغيرة (500) شاب، لعل الاكتشاف الجديد للمقابر الجماعية في المحمودية يكشف عن جثامينهم. |