سلسلة القيادة: الطريق من 11 ايلول إلى أبي غريب   عدد القراء : 1410   .

يجيء هذا الكتاب لكاتب مجلة (نيويوركر) الشهير الحائز على جائزة بوليتزر- الجائزة الأكبر للصحافة في الولايات المتحدة-(سيمون هيرش)، ليلقي الضوء على سياسات الولايات المتحدة منذ أحداث 11 أيلول والتي أدت إلى وقوع جرائم وانتهاكات سجن أبي غريب. والكتاب اعد كتابة لعدد من تحقيقاته الصحفية الجريئة والناجحة والتي أدت دورا كبيرا في الكشف عن العديد من فضائح ممارسات ادارة بوش والتي كان الأهم فيها فضيحة معتقل أبي غريب في العراق في صيف 2004. كانت مقالات وتحقيقات هيرش تجعل القارئ يفهم أكثر ما حدث في معتقل أبي غريب، ويتسآءل عن جدوى استمرار الحرب على الإرهاب العالمي بصورتها الحالية، ومثلت تحقيقات هيرش صدمة للكثير من الأمريكيين الذين اعتقدوا أن حكومتهم تقوم بحرب دفاعية من أجل أغراض نبيلة.
فشل الاستخبارات الأمريكية
ويدين الكاتب بشدة، ويدعم ذلك من خلال توثيق دقيق للأحداث والأشخاص والوقائع إدارة وأسلوب إدارتها للحرب على الإرهاب التي تدعيها، بالإضافة إلى إدانة أسلوب إدارة سلطات الاحتلال للأوضاع داخل الأراضي العراقية. ويذهب الكاتب لعرض تفاصيل الفشل الأمريكي الاستخباري فيما يتعلق بأسلحة العراق للدمار الشامل، كذلك يوثق للتضليل المستمر والمنتظم من فريق السياسة الخارجية للإدارة الأمريكية قبل غزو العراق. وأسلوب سيمور هيرش الصحفي يجعل من قراءة الكتاب عملية سهلة، بالإضافة إلى تبنيه لأسلوب التحقيقات يضفي جاذبية وإثارة أكبر لأحداث هامة بطبيعتها.
التعذيب في أبي غريب
ساعد سيمور هيرش على كشف فضيحة سجن أبي غريب. واذا كان برنامج (60 دقيقة) قد سبقه بوقت قليل جدا فان برنامج محطة (سي. بي. اس) قد تم تقديمه بعد تأخيره بناء على طلب من البنتاغون بعد سماعه بأن هيرش على وشك نشر تقريره. وقام الأخير بكشف تقرير الميجور جنرال أنتونيو تاغوبا حول (الانتهاكات الإجرامية المتميزة بساديتها الصارخة وطابعها الخليع) داخل السجن، وحصل على صورة مثيرة للاضطراب لكلاب استخدِمت لتهديد عراقي عارٍ يرتعد هلعاً. وفي نهاية الأسبوع الماضي اتبع تقريره السابق بآخر يبين فيه أن وزير الدفاع الأمريكي دونالد رامسفيلد قد وافق على توسيع البرنامج السري الذي يسمح بممارسة التحقيق القاسي مع المعتقلين والذي حسب رأي هيرش قد آلت في الأخير إلى وقوع الانتهاكات في سجن أبي غريب.
ويقدم هيرش تفاصيل أكبر عن عمليات التعذيب غير الشرعية-حسب اتفاقية جنيف- التي تدار تحت إشراف أجهزة الاستخبارات الأمريكية بالتعاون مع أجهزة المخابرات في الدول الصديقة للولايات المتحدة الامريكية داخل العراق وخارجه. ويرى أن ما يحدث منذ عدة سنوات في معتقل غوانتانامو بكوبا كان هو المدخل الطبيعي لما حدث في أبي غريب. ويؤكد الكاتب مسؤولية بوش شخصيا عما حدث في أبي غريب بسبب سماحه بتجاوزات غير مقبولة في غوانتانامو وإعطائه الكثير من الإشارات الايجابية التي أدت لما حدث في معتقلات العراق، وكانت الإشارة الأهم هي توقيع بوش على وثيقة سرية في شباط 2002 تقول ( أن بنود اتفاقيات جنيف المتعلقة بأسرى الحرب لا تنطبق على حالة الحرب على الإرهاب لا في أفغانستان ولا في أي مكان أخر في العالم).
وهكذا فما حدث في أبي غريب هو لم يكن مقززاً ومناف للأعراف الدولية فحسب، بل انه يتعرض لأكثر من ذلك من خلال تفصيل لعمليات القبض على المشبوهين في أماكن مثل أفغانستان وباكستان وغيرهما حيث يتم إرسالهم إلى دول صديقة في المنطقة حيث يتم خضوعهم لعمليات تعذيب من أجل إجبارهم على الإفشاء بما يعلمون به من قبل أجهزة ذات خبرات تاريخية في هذا المجال. ويوثق هيرش لحالات قام بها خبراء ومحللين من مكتب المباحث الفيدرالية( FBI )ووكالة الاستخبارات المركزية( CIA )بالتحذير من مغبة التجاوزات المتكررة التي يقوم بها حراس ومحققو معتقل غوانتانامو أواخر عام 2002، إلا انه لم يؤخذ بهذه التحذيرات بصورة جدية على الإطلاق، لذا تم نقل هذه الأساليب للعراق، ويوثق لهذا الادعاء، ويرى أن زيارة الجنرال جيفري ميللر قائد معسكر غوانتانامو لبغداد للإشراف الشخصي علي إعداد معسكر اعتقال أبي غريب كدلالة على ذلك. ويوثق هيرش لعملية تخويف المعتقلين باستخدام الكلاب في أواخر عام 2003 وذلك بشهادة الكثيرين ممن شاركوا في هذه العمليات، وهم الذين أكدوا أن استعمال هذه الأساليب كان شيئا روتينيا، ويرى الكثيرون من حراس المعتقلات أنهم مخولون من قبل قادتهم للقيام بهذه الأساليب.
ويوثق الكتاب مكالمة تليفونية جرت في حزيران 2004 بعد الكشف عن فضائح ممارسات القوات الأمريكية داخل سجن أبي غريب جرت بين نائب الرئيس ديك تشيني ووزير الدفاع دونالد رامسفيلد يقول فيها تشيني (لا استقالة، سنهاجم من يهاجموننا، وسنلقي اللوم علي حفنة من الجنود الشبان المتهورين)!.
الشرق الأوسط بعد 11  أيلول
واستعرض الكتاب الشرق الأوسط في مرحلة ما بعد 11 أيلول، وتتطرق للعلاقات الأمريكية ودولة عربية مجاورة. ووصف الكاتب الأسرة الحاكمة هناك بالفساد بناء على رصد الاستخبارات الأمريكية لمكالمات بين كبار أمراء النظام هناك ناقشوا فيها هذه القضية. وتناول الكاتب التفاصيل الدقيقة لعلاقات الإدارات الأمريكية مع الأسرة الحاكمة في تلك الدولة. ويرى سيمور أن العلاقات بين الدولتين مرشحة للمزيد من التوتر في المستقبل القريب. كذلك يتعرض الكتاب إلى العديد من الموضوعات الجادة بأسلوب شيّق مثل ما يدعيه الكاتب من انفجار متوقع لمكون عراقي، قد يشبه الثورة، بما يحدث (كارثة) للأمريكيين بسبب تطلعهم للاستقلال. كذلك يتحدث الكاتب عن طبيعة النظام الغامضة لدولة عربية مجاورة ، إضافة إلى علاقات دول اسلامية نووية مفضوحة بالإدارة الأمريكية مع كوريا الشمالية، والتجاهل المتعمد لذلك بسبب تحالفها مع الولايات المتحدة في الحرب العالمية ضد الإرهاب الذي تدعيه الولايات المتحدة الامريكية.
أما عن سوريا فيصفها الكاتب بالفرصة الضائعة في إشارة إلى الخلاف داخل واشنطن حول كيفية التعامل مع سوريا. ويوثق الكاتب عدة حوادث قامت فيها وحدات عسكرية أمريكية بالتغلغل داخل الأراضي السورية من العراق لتتبع مقاومين عراقيين.
وعن إيران يشير الكاتب إلى ان الهدف القادم هو إيران، ويذكر أن هناك فرقاً لعمليات خاصة أمريكية تقوم بمهمات استطلاع داخل إيران لرصد أهداف نووية محتملة وأهداف أخرى. ويؤكد الكاتب أن بوش ومستشاريه فرضوا سيطرتهم التامة على القوات المسلحة والاستخبارات بهدف تحقيق ما وصفه (بأجندة بوش العدوانية والطموحة) باستخدام القوة ضد إيران ودول أخرى في إطار ما يسمى بالحرب على الإرهاب. ويكشف الكتاب عن تخويل بوش (البنتاغون) بتنفيذ عمليات عسكرية سرية خارج نطاق أي سجلات أو قوانين ملزمة، مثل القانون الذي يلزم الاستخبارات المركزية CIA( ) بأن تطلع الكونغرس على عملياتها السرية في الخارج وضرورة أن تتم مثل هذه العمليات بقرارات خاصة من الرئيس.
وفي النهاية يسخر الكاتب من الرئيس الأفغاني كرزاي، ويقول (أن الموظفين التابعين للأمم المتحدة يؤكدون انه رجل جيد، وذو سمعة جيدة) إلا أن هيرش يؤكد (إذا كان كرزاي لا يقتل، ولا يبيع المخدرات، ولا يسرق، فكيف يصبح رئيسا لأفغانستان!؟).
ويختتم الكاتب استعراضه بإدانة إدارة بوش بسبب ما يرى إنه أدى إلى قيادة أمريكا في الاتجاه الخاطئ، وما يترتب على ذلك من سياسات خاطئة تؤدي في العديد من الحالات إلى فضائح وانتهاكات طالما ظلت مبادئ الولايات المتحدة بمنأى عنها طوال تاريخها.