مطلوب سفراء عرب في العراق المحتل!   عدد القراء : 190   .


(ما أشبه الليلة بالبارحة).. لعل هذه الجملة تنطبق بشكل كبير على نتائج اجتماع دول الجوار العراقي، الذي استضافته الكويت مؤخراً، وبيانه الختامي الذي اكتفى بترديد حزمة من التعهدات والأماني، أبرزها الإعراب عن دعم العملية السياسية في العراق، وتقديم التأييد لما يطلق عليه المصالحة الوطنية، فضلاً عن بذل الجهود لرؤية عراق موحد ومستقر، وحث الفرقاء على نبذ التناحر والخلافات، وهي مفردات تقليدية لم تفلح في تغيير الأوضاع القائمة هناك منذ عدة سنوات.......

عبدالرحمن أبو عوف

وتضمن البيان الختامي تكرار التوصيات التي صدرت في السابق عن مؤتمرين متشابهين عقدا في مصر وتركيا، وإن كانت التطورات الأخيرة في العراق قد فرضت الإشارة إلى دعم مساعي الحكومة العراقية لنزع سلاح الميليشيا، والإشادة بدور حكومة نوري المالكي في تعزيز الأمن والمصالحة وإنفاذ القانون والتشديد على أهمية وجود جيش عراقي وطني، بعيدًا عن المحاصصة الطائفية والاعتبارات الإثنية، وهي توصيات لا يعول الكثيرون عليها لإنقاذ بلاد الرافدين من المأزِق الشديد الذي تعاني منه منذ سقوط بغداد.

مطالب خالية

وقد يبدو من الضروري التأكيد على أن البيان الختامي للقمة العربية لم يتطرق للقضايا المهمة، والمطالب التي تقدمت بها واشنطن للاجتماع الذي حضره عدد كبير من القوى الدولية والإقليمية، وعلى رأسها الدول دائمة العضوية في مجلس الأمن، ومجموعة الثمانية الكبار، والعديد من الهيئات والمنظمات الإقليمية والدولية، فقد أبدى العديد من الدول العربية تحفظًا على مطالب واشنطن فيما يخص إرسال سفراءَ عرب للعراق، وشطب ديونه المستحقة للعديد من دول الجوار، فضلاً عن ضرورة التصدي للنفوذ الإيراني المتنامي هناك، وهي مطالب جرى وصفها -من جانب العديد من الحضور وأغلب المراقبين- بالغباء، والافتقار للواقعية؛ فهذه المطالب تحكمها عدة تعقيدات وإشكاليات، ففيما يخص إرسال سفراء عرب للعراق فالأمر مردود عليه بالصعوبات الأمنية التي يمر العراق بها حاليًا، والتي تجعل من وجود بعثات دبلوماسية أمرًا محفوفًا بالمخاطر، لاسيما أن واشنطن تواجه صعوبات شديدة في إيجاد دبلوماسيين يرغبون في العمل في سفارتها ببغداد، شديدةِ التحصين، فضلاً عن عجز الحكومة العراقية عن توفير الإجراءات الأمنية لهذه السفارات، برغم مزاعم زيباري بقدرتها على ذلك، مع الوضع في الاعتبار أن قتل السفير المصري في العراق إيهاب الشريف، واختطاف عدد من الدبلوماسيين العرب، لا يزال ماثلاً أمام أعين أغلب دول المنطقة.

ولا تقف أسباب التحفظ العربي على إرسال السفراء عند هذا، بل كذلك، عدم الرغبة من جانب عدد من الدول العربية في إعطاء الأوضاع الحالية هناك بعضَ الشرعية، أو إيجادِ طوق نجاة للإدارة الأمريكية الحالية. إذن، فهناك أسباب تمثل حالة الزخم الشديدة التي تعاني منها المِنطقة الخضراء شديدة التحصين في بغداد، وهو ما يعظّم من المخاوف الأمنية لدى العديد من الدول العربية بشكل لا يجعلها تتعاطى بشدة مع المطالب الأمريكية، رغم إعلان بعض الدول أنها بصدد تسمية سفراء لها في العراق، وهو ما يعتبره المحللون نوعًا من المجاملة لواشنطن، وهي مجاملة لن تتجاوز الكلماتِ والوعودَ البراقة بأي حال من الأحوال، في الفترة القادمة على الأقل.

ولا يختلف الأمر في قضية إسقاط الديون العراقية لدول الجوار العربي التي تتجاوز الخمسين مليار دولار، فأغلب الحضور لم يُبد تجاوبًا مع هذا المطلب، مفضلين حله بشكل ثنائي مع حكومة بغداد، وهو ما يفسَّر بالرغبة في الهروب من أي التزامات في هذا الصدد، لعدد من الأسباب، أهمها أن هناك حالة شك وريبة من جانب أغلب دول الجوار العراقي في نوايا حكومة المالكي والائتلاف العراقي الحاكم؛ فالدول العربية لا تخفي قلقها من توجهات المالكي الطائفية، ومن غضه الطر فَ عن المذابح ذات الطابَع الطائفي في العراق، وسعي هذه الحكومة لإيجاد حالة انفصام بين العراق وهُويته العربية، بل وارتماء أغلب رموز الحكومة في أحضان إيران، وكلها مواقف لم تغيرها محاولات المالكي لطمأنة دول الجوار بوجود عراق جديد.. لكل الأسباب السابقة مجتمعة، بالإضافة لتحول العراق إلى أكبر دول العالم فسادًا -بحسب تقرير لمنظمة الشفافية الدولية، التي ألقت الضوء على نهب 84 مليار دولار من الخزينة العراقية خلال السنوات القليلة الماضية، وهي أموال تكفي لسد ديون العراق لأغلب دول العالم، وليس دول الجوار فقط- فإن تعاطي الدول العربية مع مطالب شطب الديون مستبعد على الأقل في المستقبل المنظور.

حرب بالوكالة

ما أبرز معالم الخيبة الأمريكية خلال مؤتمر الكويت هو مطالبتها الدول العربية بلعب دور مهم في التصدي للنفوذ الإيراني، متجاهلة تمامًا دورها المشبوه في تعظيم النفوذ الفارسي في العراق، عبر الاستعانة بالعصابة الحاكمة في بغداد حاليًا، والتي لم تُخف يومًا حالة الودّ بينهما، وأهمية العلاقة مع طهران، والسعي للمحافظة على مصالحها بالعراق، لذا فمطالبة واشنطن دول الجوار بالسعي لتصحيح أخطائها يعكس ارتباكًا أمريكيًا شديدًا، وسعيًا غير مرحب به، لخوض العرب معركة بالوكالة ضد طهران، لكبح نفوذ كرسته واشنطن.

ولكل ما سبق ينبغي التنبيه على أن اجتماع دول الجوار العراقي الأخير قد جاء كحلْقة في مسلسل الفشل الأمريكي الذريع في بلاد الرافدين، وهو فشل بدأ مع الأيام الأولى من الاستعدادات لغزو العراق؛ فواشنطن تجاهلت تمامًا جميع التحذيرات التي قدمتها الدول العربية من مغبة غزو العراق، ومخاوفها من السيناريو المدمر الذي سيرافق هذا الغزو، ومن ثم فإن هذه الدول غير مستعدة لإنقاذ واشنطن من النفق المظلم الذي تسير فيه، بل إن كثيرًا من الدول العربية تفضل انتظار ما ستسفر عنه انتخابات تشرين الثاني القادمة في واشنطن، ومعرفة من سيجلس على سدة البيت الأبيض، للبحث معه عن سبل إنقاذ العراق، والتي يأتي في مقدمتها وضع جدول زمني لسحب القوات الأجنبية منه، مقابل تعهده بحفظ ماء وجه واشنطن، وليس تقديم خدمات لها بدون ثمن، كما تسعى الإدارة الحالية.

على أية حال، فإن مؤتمر دول الجوار العراقي لم يأت بجديد، ولم يحمل أية مفاجآت أو مواقف قد تؤدي إلى تهدئة الأوضاع، بل إنه جاء تكرارًا لمؤتمر القاهرة واسطنبول، مكتفيًا ببيان ختامي فَضفاض، لا يقدم ولا يؤخر، بل يؤكد أن مساعي واشنطن لتسويق الأوضاع الحالية في بغداد، وانتزاع تعهدات بإرسال السفراء العرب، وشطب الديون، قد فشلت فشلاً ذريعًا، مما يشير بجلاء لاستمرار مأزق واشنطن هناك، في ظل عدم رغبة دول الجوار في إيجاد طوق نجاة لها ولحلفائها، وهو ما يرشح استمرار الأوضاع في العراق على حالها حتى إشعار آخر.