| مقصلة كولن باول للعلماء العراقيين   عدد القراء : 201   .
عبدالسلام بن عيسي قدم وزير الخارجية الأمريكي السابق كولن باول طلبا غريبا إلى الرئيس السوري بشار الأسد. طلب تنطبق عليه المقولة الشهيرة: صدق أو لا تصدق. فلقد حث كولن باول بشار الأسد على عدم استقبال سورية للعلماء العراقيين. جرى ذلك، عقب اللقاء الشهير الذي جمعهما في دمشق، بعد أن وقع غزو العراق واحتلاله، وتدمير دولته، وبث الفوضى والرعب، والقتل الجماعي في جميع أركانه وربوعه إذا كانت طلبات وزراء خارجية أمريكا تشكل في واقع الأمر، أوامر يتعين أن تنفذ وتطاع من جانب الجهة التي تتلقاها، خصوصا إذا كانت الجهة المتلقية عربية ومسلمة، فإن السؤال الذي يتبادر إلى الذهن في هذا الشأن، هو: استنادا على أي نص قانوني، وبناء على أي قرار أممي، ارتكز كولن باول في توجيهه لهذا الطلب، أو الأمر، للرئيس السوري؟ ما هو المسوغ العلمي والأخلاقي الذي اعتمده وزير خارجية أكبر دولة في العالم من حيث قدرتها على إنتاج العلم والتكنولوجيا والمعرفة.. لكي يأمر سورية بغلق أبوابها ونوافذها، في وجه العلماء العراقيين؟ هل يحق لوزير خارجية أمريكا أن يوجه مثل هذا الأمر الذي يريد بموجبه أن يلزم دولة عربية مجاورة للعراق بعدم استقبال العلماء العراقيين فوق أرضها؟ إننا أمام مطلب غاية في الغرابة، وفي العبث، ويكشف قمة الصلف، والغطرسة، والتجاوز على الأخلاق والقيم الإنسانية المتعارف عليها في جميع أنحاء المعمورة. علماء العراق يفترض أنهم بشر ككل أبناء البشر، لهم الحقوق نفسها، وعليهم الواجبات نفسها التي على أي إنسان وله، في هذه الكرة الأرضية. إننا نعلم أن لكل إنسان الحق في التنقل، والتجوال، والإقامة في أي بقعة من العالم، إذا استوفى ذلك الإنسان شروط التنقل والإقامة. حرمان أي إنسان من التنقل من جهة إلى اخرى، لا يتم إلا إذا ارتكب ذلك الإنسان ما يستوجب حرمانه من هذا الحق الطبيعي، والحرمان من التنقل لا يمكن أن يصبح قانونيا ومقبولا، إلا إذا جري طبقا لحكم قضائي توفرت فيه كل الضمانات لكي يصنف في إطار الحكم العادل. لكن أن يمنع علماء العراق كلهم، ودون استثناء، ومن غير ذنب ارتكبوه، من التوجه صوب بلد شقيق مجاور لبلدهم، ففي هذا ضرب صارخ لأبسط حق من حقوقهم الأساسية، الذي هو حق الإقامة في أي دولة يريدون. أمريكا التي جاءت إلى العراق واحتلته، لا تتوقف، بعد انكشاف خلوه من أسلحة الدمار الشامل، عن ترديد أسطوانة أنها غزت العراق من أجل تخليص العراقيين من الديكتاتورية والقمع، غير أن منع العلماء العراقيين من مغادرة وطنهم صوب سورية، إن هم رغبوا في ذلك، يشكل قمعا من النادر أنه يحدث في أي دولة من العالم. لنتجاوز هذا الشق القانوني والإنساني في الموضوع، ولنطرح السؤال التالي: لماذا تريد الولايات المتحدة الأمريكية منع العلماء العراقيين من الانتقال إلى سورية للعيش فيها؟ الجواب بسيط، إنها لا تريدهم أن ينقلوا الخبرة والمعرفة المكتسبتين من جانبهم في وطنهم العراق، إلى وطن ثان لهم ألا وهو سورية. إذا قاموا بنقل خبراتهم، ستتلاحق مع خبرات أشقائهم السوريين، وسيحدث التفاعل، ثم التراكم المعرفي الذي قد ينتج علما وتقنية يحتاجها العرب في حياتهم العملية، وفي صراعهم مع القوى التي تريد تأبيد السيطرة عليهم. هذه المنطقة من العالم التي اسمها الوطن العربي، محكوم عليها بأن تظل رازحة تحت نير الجهل والتخلف، وكل بارقة علم أو معرفة تظهر فيها، يتعين وأدها في المهد أو الفتك بها وهي جنين، لكي لا تزهر، ولا تنتج حلولا لمشاكل الإنسان العربي ولهمومه ومآسيه. أمريكا وإسرائيل، وكل دول العالم يحق لها أن تتعلم، ويكون لها أساتذة وعلماء يقتحمون المجهول، ويسخرون علمهم لتنمية وتطوير مجتمعاتهم، ما عدا العالم العربي، فإنه ممنوع عليه أن يكون لديه علماء يوظفون معرفتهم بما لا يرضي أمريكا والدولة العبرية. عندما يأمر كولن باول الرئيس السوري بشار الأسد بعدم استقبال سورية للعلماء العراقيين، ويجبرهم على البقاء رغما عنهم في وطنهم العراق، في وقت أحكمت فيه الميليشيات، وفرق الموت، وقوي الإرهاب سيطرتها على البلاد، وانعدم الأمن وافتقد، وأصبح الأمريكان والحكومة المنصبة من طرفهم مختبئين كالجرذان في المنطقة الخضراء، وصار القتل على الهوية عملة رائجة، وتحول البلد إلى مسلخ جماعي، فإن أمريكا بتصرفها هذا، تكشف عن كونها أصدرت حكما بالإعدام في حق العلماء العراقيين، وشرعت في تنفيذه دون الإعلان عن ذلك بشكل رسمي. إرادة أمريكا في إبقاء العلماء العراقيين في العراق ومنعهم من مغادرته صوب سورية، ليس له أي معنى، سوى أن أمريكا كانت تريد تصفيتهم والتخلص منهم، وأساسا أولئك الذين رفضوا مشروعها لاحتلال بلدهم، ولم يقبلوا التعاون معها، والتحول إلى أدوات بين يديها. لقد وقف العالم أجمع على العدد الهائل من العلماء، والأطباء، والأساتذة الجامعيين، والمهندسين، والطيارين، والمحامين، والصحافيين، وكبار ضباط الجيش.. الذين تمت تصفيتهم جسديا، بطرق بشعة تقشعر لها الأبدان، رغم أنهم لم يرتكبوا أي ذنب، سوى كونهم درسوا وتعلموا، وأرادوا، في وقت من الأوقات، خدمة وطنهم بما اكتسبوه من علم ومعرفة. بعد أن غادر كولن باول منصبه كوزير لخارجية أمريكا، عبر عن اعتذاره لكونه زعم أمام مجلس الأمن أن العراق يمتلك أسلحة الدمار الشامل، يصعب فهم كيف أنه لم يعتذر أيضا لأسر وذوي الضحايا من العلماء العراقيين الذين قتلوا في العراق على أيدي المليشيات وفرق الموت، وهو الذي أمر سورية بعدم السماح لهم بمغادرة وطنهم صوبها. في جميع أنحاء الدنيا يعاقب القانون أي إنسان امتنع عن تقديم العون لإنسان آخر كان في حالة الخطر الشديد، وزير خارجية أمريكا، وضع رؤوس العلماء العراقيين تحت المقصلة، حين طلب من سورية منعهم من دخولها. واضح، أنه قبل طلبه هذا وبعده، كانت تصفيتهم جارية على قدم وساق، وبدم بارد، وبأبشع الوسائل، بما فيها المثقاب الكهربائي. وكالعادة، كانت وقتها حكومات العالم العربي تشاهد المذبحة، وتراقبها متفرجة من غير أن تحرك ساكنا، فالأمر ربما لم يكن يعنيها، ما دام الضحايا من أشقائها العراقيين.. وليسوا ضحايا إعصار كاترينا. |