| الشمس.. والريح   عدد القراء : 1672   . كانت اسماء ترقب جدتها وهي تتلقف حفيدتها الصغيرة عزة بين ذراعيها: فتقبلها وتمسح على شعرها مواسية وهي تقول: ولِمَ كل هذا البكاء يا حبيبتي..؟! فتشهق الطفلة قائلة: - انه كريم.. لقد رفض ان يلعب معي.. ولما الححت عليه انتزع مني لعبتي ولن يعيدها الىَّ لانني ازعجه.. وعادت عزة الى البكاء. فحملتها الجدة الى حضنها وقالت وهي تمسح دموع الطفلة: - لا تبكي يا حبيبتي.. اعدك بان اقنع كريماً بالصلح معك...والان.. الا تريدين ان اقص عليك حكاية المساء؟ ابتسمت اسماء وهي تتامل الوجهين الحبيبين الطافحين باجمل المعاني.. وجه جدتها الذي نورته الحكمة والتقوى.. ووجه اختها عزة - طفلة البيت المدللة - يشع براءة وطهراً وقد نسيت بكاءها واقبلت على جدتها بلهفة لتسمع الحكاية... استرخت اسماء في مقعدها تتابع المشهد اللطيف امامها.. وقد وجدت فيه ما يسري عنها بعض توترها.. وكيف لا تتوتر وهي تترقب نتائج الامتحان النصفي غداً.. ما اعذب الطفولة واحلى ايامها!!. - يحكى ان الرياح التقت يوماً مع الشمس فتطاولت عليها بقوتها وسخرت من سكونها ووداعتها.. قائلة: -انك ضعيفة عاجزة.. اين انت من قوتي وجبروتي؟.. انني ازمجر فاملأ القلوب رعباً.. واهب فاقتلع الاشجار، واطفئ النيران واغرق السفن، واهدد البيوت بالدمار.. الجميع يخشون بطشي.. والكل يهاب ثورتي... قالت الشمس: رويداً ايتها الريح، ولا ياخذنك الغرور كل ماخذ.. ولا تتسرعي في الحكم. فإنني املك سلاحاً اقوى من كل جبروتك.. تعجبت الريح وسالت: وما هو هذا السلاح..؟! - انه الوداعة.. - وماذا يمكن ان تفعل الوداعة.؟! - هل تحبين ان ندخل في رهان تجرب فيه كل واحدة منا قوتها..؟ - بكل تأكيد.. - حسن. انظري الى هذا الرجل المتدثر بمعطفه.. هل تستطيعين ان تنتزعي عنه رداءه..؟ - ما اسهل هذا الامتحان..!! - لاباس. ساغيب انا.. وابدأي فجربي قوتك.. غابت الشمس وهبت الريح شديدة.. فتمسك الرجل بمعطفه يشده اليه ويتشبث به.. وبذلت الريح جهدها: فزمجرت وعصفت فلم يزده ذلك الا تمسكاً بردائه .. اطلت الشمس بوجهها الباسم وارسلت اشعتها الوهاجة الوداعة، فملأت الجو دفأ وضياء. احس الرجل بوهج الحر فخلع رداءه.. وهكذا انتصرت الشمس بالوداعة والرفق وحققت ما لم تحققه الريح بالقوة والجبروت.. والان يا عزة: ما رايك في ان نجرب الرفق والوداعة في التفاهم مع اخيك كريم..؟ قفزت عزة من حضن جدتها وامسكت بيدها قائلة: - هيا بنا ارجوك.. وانطلقت اسماء في تاملاتها.. لو تعلمين يا جدتي ان حكايتك قد لخصت تجارب البشرية.. ولكن.. هل ينفع الرفق والوداعة في كل حال..؟! وانطلقت في افكارها الى الجو المدرسي الذي تعيشه. انها ستحصل على الشهادة الثانوية في هذا العام وتودع المدرسة الى الجامعة ورغم هذه الخبرة الطويلة بالاجواءالمدرسية والتعامل مع الزميلات.. لكنها تشعر هذا العام ببعض الاسى والاحباط.. فزميلتها سلمى تتخذ منها موقفاً شنيعاً لم يسبق لها ان تعرضت لمثله في الاعوام السابقة.. سلمى رغم ذكائها وتفوقها في الدراسة تحمل افكاراً (تقدمية)- كما يقولون- مسكينة.. قد يكون لها عذر؛ فقد نشات في بيئة تحتقر الدين وتشمئز من المتمسكين به.. فهي تظن الدين رجعية وتخلفاً وجموداً في التفكير.. وخاصة في قضايا المراة التي اشكلت والتبست في عالمنا فلم تعد تعرف في الصورة الحقيقية للمراة المسلمة.. كل هذا يمكن توقعه من البنات في المدرسة.. اما ان تتخذ سلمى موقف الاستعلاء ورفض الحوار مع اسماء.. فهو ما يحز في نفسها. بل ان الامر تطور الى حقد وكراهية تنبعث من نظراتها. ان حدث وتلاقت العيون ببعضها.. ولعل ذلك مبعثه الشعور بأن اسماء تنافسها في التفوق والحصول على الدرجة الاولى في الفصل.. ان سلمى لا تستطيع ان تتصور كيف يتسنى لمثل هذه الفتاة الرجعية ان تنافسها وتقف معها على قدم المساواة..!! ولقد حاولت اسماء ان تتجاهل كل هذا.. واجهت الموقف بالصبر والاناة ومدت يدا مترعة بالود والتعاون.. فلم يزد ذلك سلمى الا اعراضاً وحقداً.. بل قد بلغ بها الامر ان سعت الى الادارة ورفعت تقريراً ضد اسماء بانها توزع منشورات رجعية محظورة وتفسد عقول البنات وتدعوهن الى تكتلات حزبية.. ولولا حكمة المديرة وحرصها على التثبيت في القضية ومعرفتها بحسن سلوك اسماء طيلة السنوات الماضية لما انتهى الامر بسلام.. فلقد تبين للمديرة بعد التحقيق ان المنشورات (المحظورة) التي اعارتها اسماء لاحدى زميلاتها انما هي رسالة مبسطة في كيفية اداء الصلاة طلبتها الزميلة من اسماء..!! ولقد خلقت الحادثة ندبة في قلب اسماء.. ذاك القلب الذي لم يكن يعرف الا الحب والرفق.. حتى انها اصبحت تتساءل: احقاً ينتصر الحب والرفق في النهاية..؟! |