| التيبت أم العراق يا(بي بي سي)؟   عدد القراء : 184   .
د. ثائر دوري باتفاق أغلبية البشر من كل الأعراق والقوميات والأديان، ومن كل الزوايا: الاقتصادية، السياسية، الإنسانية، والأخلاقية، فإن الاحتلال الأمريكي للعراق هو أول وأكبر مشكلة يعاني منها العالم اليوم. ويمكن لكل شخص حسب دينه أو لونه أن يذكر لك سبباً، فالغربي قد يقول إن هذا الاحتلال فاقم الإرهاب وعدم الاستقرار في العالم، والمسلم الأندونيسي سيحدثك عن الاعتداء الغربي على الإسلام، والمهووس بقضايا حقوق الإنسان، إن كان موضوعياً، سيحدثك عن كارثة مقتل أكثر من مليون إنسان، وعن نزوح أربعة ملايين منهم، وعن انحدار شروط الحياة الإنسانية داخل العراق من تدهور وضع المشافي، وقلة عدد الأطباء، إلى انعدام الأمن، وقلة المياه الصالحة للشرب....الخ. أما المهتم بشؤون الطاقة فسيحدثك عن تفاقم أزمة الطاقة في العالم بسبب هذا الغزو، ومن ثم الاحتلال، والاقتصاديون سيشيرون إلى اضطراب الاقتصاد العالمي بسبب هذا العمل الأحمق. كل شخص في العالم سيذكر لك سبباً مقنعاً لاعتباره غزو أمريكا للعراق واستمرار احتلاله أهم مشكلة في عالم اليوم، وبالنتيجة يمكنك أن تستنتج أن هذا الغزو أو الاحتلال قد وسم حياة البشر في كل العالم بميسم سلبي، بالطبع إلا قلة قليلة من تجار النفط والسلاح، الذين راكموا ثروات هائلة من الغزو والاحتلال. لكن تغطية البي بي سي للأحداث السياسية في العالم لها رأي آخر. فلو كنت تستمع، مثلي، لهذه الإذاعة العريقة خلال الشهر الماضي فإنك ستخرج بانطباع مفاده أن كلا من قضيتي التيبت، ودارفور أهم قضيتين في العالم المعاصر، فقد تم تصويرهما على أنهما تهديد للسلم العالمي، كارثتان إنسانيتان لم يسبق لهما مثيل. فالتظاهرات المنددة بمرور الشعلة الأولمبية في مكان ما أثناء ذهابها إلى الصين تحظي بتغطية واسعة ولو كان عدد المتظاهرين لا يتجاوز عدد أصابع اليد. وتصريحات السياسيين، مهما كانوا هامشيين، الداعية إلى مقاطعة هذه الألعاب في بكين احتجاجاً على أحداث التيبت هي خبر أول، وكذلك الحال في دارفور، ويتم استقبال المستمعين عبر الهاتف ليدلوا بدلوهم حول الموضوع. وأنا هنا لا أقلل من أهمية ما يجري في هذين المكانين، كما أني اؤمن أن مقتل إنسان واحد ظلماً بنفس أهمية مقتل مليون إنسان من الزاوية الإنسانية والأخلاقية. لكن التساؤل هنا ما هي المعايير التي تتبعها وسائل الإعلام ووكالات الأنباء في تقدير أهمية الحدث؟ ما المقياس الذي يجعل حدثاً ما خبراً أول في نشرات الأخبار، فتتم استضافة المفكرين والسياسيين للتعليق عليه، وتتم تغطية التظاهرات المتضامنة أو المنددة؟ هل هي معايير إنسانية؟ أم اقتصادية؟ أم سياسية؟ كل مشاكل العالم المعاصر سواء في نيبال أو في التيبت أم في دارفور لا ترتقي ولو لجزء بسيط من حجم كارثة الاحتلال الأمريكي للعراق، ومن أي زاوية شئت. فكارثة الغزو والاحتلال تهدد حياة البشر في كل أنحاء العالم. فإذا لم يكن أي معيار من المعايير المنطقية المعروفة اساساً في تقييم أهمية الحدث في البي بي سي أو غيرها من وسائل الإعلام، فلا بد أن هناك معايير خفية تحرك هذه المحطة العريقة. وأنا هنا لا أخترع البارود. لكني أعيد التأكيد على البديهيات التي ما زال البعض ينكرها. وهنا يمكننا أن نشير إلى المصالح الغربية. نعم المصالح الغربية هي التي تحدد أهمية قضية ما وحجم التغطية الإعلامية لها، فيتم تكبير الصغير وتصغير الكبير. وهنا سيتهمنا بعضهم بتبني نظرية المؤامرة. نعم نحن نعتقد بنظرية المؤامرة. وإلا فليذكروا لنا ما هو المعيار الذي يجعل قضية التيبت أو دارفور تحظى بتغطية إعلامية مساحتها عشرات أضعاف التغطية الإعلامية للعراق. لا يوجد إعلام حيادي، مهما ادعي الحيادية، فكل إعلام منحاز إلى طرف ما وعلى أجندة سياسية ما. لكن توجد في بعض وسائل الإعلام مهنية عالية وإدارة ذكية لانحيازها تجعلها تبدو حيادية، وبالمقابل توجد فجاجة وانعدام للمهنية في وسائل إعلام أخرى فيظهر انحيازها مفضوحاً ومنها وسائل الإعلام التابعة للأنظمة العربية. |