| إشكالية الاحتلال الأمريكي.. بين الاعتراف والمكابرة   عدد القراء : 2087   .
د. عيدة المطلق قناة يبرز الاحتلال الأمريكي للعراق اليوم كأكثر قضايا العصر إشكالية. ففي كل يوم هناك مفارقات وإشكاليات جديدة تأتي أشد تعقيداً مما سبقها .. فلقد بدأت مسيرة الإشكاليات منذ مرحلة التحضير للغزو والتخطيط له فـ(دونالد رامسفيلد) (وزير الدفاع الأمريكي آنذاك) ارتأى ضرورة الاكتفاء بستين ألف جندي والعمل ما أمكن على تخفيض النفقات أو ما أسماه (المبلغ المستثمر في الغزو)).. في حين ارتأى الخبراء العسكريون أن الرقم المطلوب هو ربع مليون جندي ..إلى أن استقر الرقم على مائة وخمسين ألف جندي.. على أن يصار إلى سحب الجنود بسرعة لتخفيض تكاليف الغزو ، (كان من المقرر أن يبقى في العراق (60) ألف جندي فقط بحلول آذار 2004 .. إلا أن ما حصل هو اضطرار بوش في عام 2007 لتعزيز قواته في العراق بـ(30) ألف جندي ظنا منه أن عملية الضخ هذه من شأنها أن تقلل من خسائره في المستنقع العراقي......... ولعل قرار مجلس الأمن رقم (1483) الصادر في 22 ـ 5 ـ 2003م ، ساهم في تعقيد الموقف حين شرعن وبارك تسليم دولة العراق إلى سلطة الاحتلال ، وأعطاها حق إدارته وتشكيل أسلوب حكمه والتصرف في موارده دون سند من شرعية.. وحين فرض على الأمم المتحدة التعاون والتعامل مع سلطة الاحتلال.. ومنح هذه السلطة صلاحيات وسلطات تتجاوز تلك المقررة وفقاً لاتفاقيات جنيف لعام 1949م.. فضلاً عن أنه لم يحدد مدة زمنية للاحتلال،، إلا أنه مع اتساع دائرة المقاومة العراقية أصبح حساب الحقل الأمريكي غير متوافق البتة مع حساب البيدر العراقي .. فهذه المقاومة لم تعط مشروع الاحتلال أية فرصة للاستقرار والتحقق .. ولمواجهة هذا الواقع لجأت قوات الاحتلال إلى وسائل عديدة كان من بينها إعلان القيادة الأمريكية انتهاج سياسة أكثر عدوانية ضد المقاومة ، مما جعل الموقف القانوني للعمل العسكري الأمريكي المسلّح في العراق أكثر تعقيدا ، وذلك في ظل اتفاقيات جنيف 1949 التي تتحدث عن حقوق المدنيين أثناء الحرب،، ومن الوسائل التي لجأت إليها في سعيها لخلط الأوراق أن قامت بإنشاء فرق خاصة بالعمليات القذرة ضمت إليها عدداً ممن يجيدون العربية وبعض العملاء المأجورين.. حتى حين تصاب القوات الأمريكية أو قوات الحكومة بخسائر بسبب ضربات المقاومة.. تقوم هذه الفرق بالتمويه على فعل المقاومة بتنفيذ عمليات بالسيارات المفخخة تستهدف المدنيين..أو تنفيذ عمليات قتل على الهوية وخطف لتشويه صورة المقاومين ، وفك عرى المصير الواحد بينهم وبين المواطنين. وتتوالد الإشكاليات ففي الوقت الذي راح القادة العسكريون والسياسيون الأمريكيون في التبشير بانخفاض مستوى العنف وتحسن الوضع الأمني ومنهم الادميرال الأمريكي باتريك دريسكول ، نائب مدير قسم الاتصالات الاستراتيجية في (القوات متعددة الجنسية العاملة في العراق) إذ يقول بانخفاض العمليات بنسبة 80%.. إلا أن واقع الحال يشير إلى أن عام (2007) شهد مقتل (16232) عراقيا بريئا ، حسب (السي ان ان) الأمريكية ، وأكثر من (24) ألفا حسب المصادر البريطانية، وبهذه الأرقام يكون عدد الضحايا من الشعب العراقي قد تجاوز المليون قتيل .. ومليون أرملة ، وما لا يقل عن خمسة ملايين عراقي مهجّر داخل البلد او مهاجر خارجه.. وما لا يقل عن (100) ألف اسير حرب بتهمة (مشتبه به) لعدم ولائه للاحتلال المركّب ، بينهم أربعة آلاف امرأة وأكثر من سبعة آلاف قاصر دون السن القانوني. أما خسائر الجانب الأمريكي فهي نوعية وكمية.. ففي نهاية 2007 تجاوز رقم قتلى الأمريكان - بحسب مزاعمهم - الـ (4000) قتيل .. وحتى آذار ـ 2007 تجاوز عدد الجرحى الـ (50000) ، وهم عسكريون تعرضوا للقصف أو الحرق أو فقد الأطراف أو المرض البدني أو النفسي.. وبات جلّهم معوقاً وخارج الخدمة.. وهكذا ، فإن نسبة الجرحى إلى القتلى ، (حسب المعطيات الرسمية الأميركية) هي(16) إلى (واحد) .. بينما كانت في فيتنام في حدود النسبة التقليدية ، أي 3 إلى واحد، (وتجدر الإشارة إلى وثيقة اعتراف أمريكية تقول بأن (300) ألف جندي امريكي عادوا من العراق وافغانستان يعانون من مرض ( بوست - تروماتك ستريس ديس أوردر اوبيريشن) اي تلف في عمل الدماغ يؤدي الى الانتكاس النفسي وعدم القدرة على التركيز او العمل الاعتيادي..وأن نصف هذا العدد لم يحصلوا على العلاج لحد الان). إن اندلاع المقاومة العراقية أربك خطط الغزو و بدل أن يخفض الغزاة عدد جنودهم رأيناهم يضطرون لرفعها في العام الرابع للغزو .. وأما بالنسبة للتكاليف ففي حين قدرها (رامسفيلد) بما لا يزيد عن (خمسين مليار دولار).. بل إن بول وولفويتز (نائب وزير الدفاع الامريكي آنذاك) قال بأن الإدارة الأمريكية كانت تأمل أن يمول العراق غزوه .. في حين أن تكلفة حرب العراق تتجاوز ثلاثة تريليونات دولار قبل نهاية الحرب (أي حتى نهاية)2007 (جاء ذلك في كتاب صدر أخيراً وعرضته صحيفة كريستيان ساينس مونيتور) .. كما تشير تقديرات أخرى بأن الحرب تكلف أمريكا (12) مليار دولارشهرياً (بحسب الخبيرين الاقتصاديين جوزيف ستيغليتز الحائز على جائزة نوبل وليندا بيلمز). أما بالنسبة لبريطانيا فكان مجلس العموم البريطاني قد تنبأ بأن تبلغ تكلفة الحرب العراقية على بريطانيا لغاية عام (2010) ما يقارب (40) مليار دولار، أي ضعف التقدير السابق. إن ما تقدم إنما هو غيض من فيض إشكاليات هذه الحرب الأمريكية المجنونة .. وتطرح جملة من التساؤلات: فهل يدرك الأميركيون حجم المشاكل التي يعانون منها.. وحقيقة المستنقع الموحل الذي غرقت فيه الإدارة الأمريكية؟ هل كانت المقاومة العراقية وبهذه الضراوة مفاجئة للمخططين والاستراتيجيين الأمريكيين وتابعهم البريطاني توني بلير؟؟ ثم ما هو التفسير السياسي للتعتيم والضبابية الإعلامية والعزل المفروض على المقاومة العراقية؟ فطوبى للفعل الإعجازي المقاوم الذي استطاع أن يتعملق على شرط الحصار والعزلة وأن يحيل جيش الاحتلال ومرتزقته أكبر جيش للمرضى والمشوهين والمجانين؟؟ طوبى للمقاومة العراقية التي كانت شهادة إخفاق لمشروع الموت لصالح مشروع الحياة، طوبى لها إذ تكشف للمخدوعين والواهمين زيف الديمقراطية الامريكية وتهافت مضامينها،، وطوبى لكافة تجليات المقاومة العربية والإسلامية إذ تمثل الأمل الباقي لهذه الأمة في الخلاص والبقاء وتعيد لها الوجه والحضور والوزن. |