قيادة الرسول صلى الله عليه وسلم (السياسية والعسكرية)   عدد القراء : 221   .


وفد النصارى وإيمانهم وعام الحزن

الحلقة (8)

إعداد/ محمد النعيمي

بعد ان ذاع صيت النبي صلى الله عليه وسلم وظهر ما ظهر من امر دينه عن طريق التجار القادمين الى مكة والزائرين اليها في مواسم الحج سمع الامر النصارى وعندهم في ذلك بشارة عيسى به عليه الصلاة والسلام كان من امرهم كما قال ابن هشام في سيرته ناقلا عن ابن اسحاق قوله ثم قدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو بمكة عشرون رجلا او قريب من ذلك من النصارى حين بلغهم خبره من الحبشة فوجدوه في المسجد فجلسوا اليه وكلموه وسألوه، ورجال من قريش في انديتهم حول الكعبة فلما فرغوا من مسألة رسول الله صلى الله عليه وسلم عما ارادوا دعاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم الى الله عز وجل وتلا عليهم القرآن فلما سمعوا القرآن فاضت اعينهم من الدمع ثم استجابوا له وآمنوا به وصدقوه وعرفوا منه ما كان يوصف لهم في كتابهم من امره فلما قاموا عنه اعترضهم ابو جهل ابن هشام في نفر من قريش فقالوا لهم خيبكم الله من ركب بعثكم من ورائكم من اهل دينكم ترتادون لهم لتأتوهم بخير الرجل فلم تطمئن مجالسكم عنده حتى فارقتم دينكم وصدقتموه بما قال ما نعلم ركبا احمق منكم او كما قالوا فقالوا لهم سلام عليكم لانجاهلكم لنا ما نحن عليه ولكم ما انتم عليه لم نأل انفسنا خيرا اي(اي نقصرها عن بلوغ الخير).

وقال ابن اسحاق وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم اذا جلس في المسجد فجلس اليه المستضعفون من اصحابه منهم خباب وعمار وابو فكيهة يسار مولى صفوان بن امية وصهيب واشباههم من المسلمين هزأت بهم قريش وقال بعضهم لبعض هؤلاء اصحابه كما ترون اهؤلاء من الله عليهم من بيننا بالهدى والحق الو كان ما جاء به محمدا خيرا ما سبقونا اليه وما خصهم الله به من دوننا فانزل الله تعالى (وَلاَ تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ).

رحلة الإسراء والمعراج

وبعد رحلة الإسراء والمعراج ازداد المشركون من الاستهزاء بالرسول صلى الله عليه وسلم ومنهم ابو لهب وابو جهل والوليد بن المغيرة وغيرهم ولم يكتفوا بذلك قال ابن اسحاق وكان النفر الذين يؤدنون رسول الله صلى الله عليه وسلم في بيته ابو لهب والحكم بن العاص بن امية وعقبة بن ابي معيط وعدي بن حمراء الثقفي وابن الاصداء الذهلي وكانوا جيرانه لم يسلم منهم احد الا الحكم أبن العاص فكان احدهم يطرح عليه صلى الله عليه وسلم رحم الشاة وهو يصلي وكان احدهم يطرحها في برمته(القدر من الحجر) اذا نصبت له حتى اتخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم حجراً(اي ما حجرته من حائط) يستتر به منهم اذا صلى فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم اذا طرحوا عليه ذلك الاذى كما حدث به ابن اسحاق عن عمر عبد الله بن عروة بن الزبير عن ابيه يخرج به رسول الله صلى الله عليه وسلم على العودة فيقف به على بابه ثم يقول يا بني عبد مناف اي جوار هذا ثم يلقيه في الطريق.

طمع المشركين في رسول الله بعد وفاة عمه أبي طالب وزوجته خديجة

ازداد طمع المشركين في رسول الله بعد وفاة عمه أبي طالب الذي كان السد المنيع والسند المتين بوجه كل من اراد ان ينال من رسول الله وكانت قريش تهابه وتجله لمكانته بينهم ولكن هذا السد سرعان ما زال فقد اظهر المشركون عداءهم الصريح والواضح هذا من الناحية الخارجية للرسول صلى الله عليه وسلم بينه وبين الناس واما من الناحية الداخلية فقد امر النبي صلى الله عليه وسلم في هذا الموقف العصيب بعد وفاة زوجته خديجة بنت خويلد(الكبرى) رضي الله عنها تاركة وراءها اربع بنات وهن زينب وام كلثوم ورقية وفاطمة رضي الله عنهن التي كانت بمثابة وزيرته التي تواسيه في حزنه وتفرح لفرحه وكانت ذا رأي يعجز عنه الرجال في بعض الاحيان وكان من تحمل النبي صلى الله عليه وسلم من اذى المشركين ويعود الى بيته فلا يجد الا هما آخر وكيف يدير امور بيته وذكر ابن هشام عن ابن اسحاق قائلا:

ثم ان خديجة بنت خويلد وأبا طالب هلكا في عام واحد، فلتتابعت على رسول الله صلى الله عليه وسلم المصائب بموت خديجة. وكانت له وزير صدق على الاسلام يشكو اليها وبموت عمه ابي طالب وكان له عضدا وحرزا في امره ومنعه وناصرا على قومه وذلك قبل مهاجره الى المدينة بثلاث سنين فلما هلك ابو طالب نالت قريش من رسول الله صلى الله عليه وسلم من الاذى مالم تكن تطمع به في حياة ابي طالب حتى اعترضه سفيه من سفهاء قريش فنثر على رأسه ترابا.

قال ابن اسحاق فحدثني هشام بن عروة عن ابيه قال لما نثر ذلك السفيه على رأس رسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك التراب دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم بيته والتراب على رأسه فقامت اليه بناته فجعلت تغسل عنه التراب وهي تبكي ورسول الله صلى الله عليه وسلم يقول لها: لا تبكي يا بنية فإن الله مانع اباك قال ويقول بين ذلك ما نالت مني قريش شيئا اكرهه حتى مات ابو طالب قال ابن اسحاق ولما اشتكى ابو طالب وبلغ قريش ثقله في المرض قالت قريش بعضها لبعض ان حمزة بن عبد المطلب وعمر بن الخطاب قد اسلما وقد فشى امر محمد صلى الله عليه وسلم في قبائل قريش كلها فانطلقوا بنا الى ابي طالب فليأخذ لنا على ابن اخيه وليعطه منا والله ما نأمن أن يبتزوا امرنا (اي سلبه اياه وغلبه عليه).

اجتماع قادة قريش الأخير مع أبي طالب وتقديمهم التنازلات

قال ابن اسحاق حدثني العباس بن عبد الله بن معبد أبن عباس عن بعض اهله عن ابن عباس قال مشوا الى ابي طالب فكلموه وهم اشراف قومه عتبة بن ربيعة وشيبة بن ربيعة وابو جهل بن هشام وامية أبن خلف وابو سفيان بن حرب في رجال من اشرافهم فقالوا يا ابا طالب انك منا حيث قد علمت وقد حضرك ما ترى وتخوفنا عليك وقد علمت الذي بيننا وبين ابن اخيك فادعه فخذ له منا وخذ لنا منه ليكف عنا ونكف عنه وليدعنا وديننا وندعه ودينه فبعث اليه ابو طالب فجاءه فقال يا ابن اخي هؤلاء اشراف قومك قد اجتمعوا لك ليعطوك وليأخذوا منك قال فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم نعم وقيل في نسخ اخرى يا عم كلمة واحدة تعطونيها تملكون بها العرب وتدين لكم بها العجم وقال فقال ابو جهل نعم وابيك وعشر كلمات قال تقولون لا اله الا الله وتخلعون ما تعبدون من دونه قال فصفقوا بأيديهم ثم قالوا اتريد يا محمد ان تجعل الآلهة واحدا ان أمرك لعجيب فقال: بعضهم لبعض انه والله ما هذا الرجل بمعطيكم شيئا مما تريدون فانطلقوا وامضوا على دين آبائكم حتى يحكم الله بينكم وبينه قال ثم تفرقوا فانزل الله تعالى في حقهم قوله(ص وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي عِزَّةٍ وَشِقَاقٍ)الى قوله تعالى(أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهاً وَاحِداً).

وهذا درس بليغ من رسول الله صلى الله عليه وسلم يعلم الامة عامة والسياسيين خاصة الذين تولوا أمر المسلمين ان يكونوا صامدين كالجبال امام هجمات اعداء الاسلام لا ان يقبلوا يد الكفار من اجل المناصب الزائلة كما هو حالهم اليوم واضحاً للعيان نسأل الله تعالى ان ينجي الاسلام والمسلمين منهم ومن ساداتهم انه ارحم الراحمين.

سعي رسول الله الى ثقيف يطلب النصرة(رحلة الطائف)

قال ابن اسحاق حدثني زيد  بن زياد عن محمد بن كعب القرضي قال لما انتهى رسول الله صلى الله عليه وسلم الى الطائف عمد الى نفر من ثقيف هم يومئذ سادة ثقيف واشرافهم وهم اخوة ثلاثة عبد ياليل ومسعود وحبيب ابناء عمرو بن عمير وعند احدهم امرأة من قريش من بني جمح فجلس اليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فدعاهم الى الله وكلمهم بما جاء لهم له من نصرته على الاسلام والقيام معه على من خالفه من قومه فقال له احدهم: وهو يمرط ثياب الكعبة (اي ينزعه ويرمي به) ان كان الله ارسلك وقال الآخر اما وجد الله احدا يرسله غيرك وقال الثالث والله لا اكلمك ابدا لئن كنت رسولا من الله كما تقول لأنت اعظم خطرا من ان ارد عليك الكلام ولئن كنت تكذب على الله ما ينبغي لي ان اكلمك فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم من عندهم وقد يئس من خير ثقيف وقد قال لهم فيما ذكر لي اذا فعلتم ما فعلتم فاكتموا عني وكره رسول الله صلى الله عليه وسلم ان يبلغ قومه عنه فيثيرهم عليه ويجرئهم فلم يفعلوا واغروا به سفهاءهم وعبيدهم يسبونه ويصيحون به حتى اجتمع عليه الناس والجأوه الى حائط (بستان) لعتبة وشيبة ابنا ربيعة وهما فيه ورجع عنه من سفهاء ثقيف من كان يتبعه فعمد الى ظل حبلة من عنب(شجرة او قضبانها) فجلس فيه وابنا ربيعة ينظران اليه ويريان ما لقي من سفهاء اهل الطائف.

ونكتفي بهذا القدر من هذه السيرة العطرة من قيادة الرسول الله صلى الله عليه وسلم السياسية والعسكرية وكم الناس بحاجة في مثل هذه الايام اليها والحمد لله رب العالمين وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيراً.