الغيرة خلق فأين هي الآن!   عدد القراء : 189   .


زينب الرافعي

لقد كان العرب في الجاهلية يعدون المرأة ذروة شرفهم وعنوان عرضهم ولذلك فقد تفننوا في حمايتها والمحافظة عليها والدفاع عنها زوجة وأما، ابنة وأختا، قريبة وجارة حتى يظل شرفهم سليما من الدنس ويبقى عرضهم بعيدا لا يمس ولم يكن شيء يثير القوم كالاعتداء على نسائهم أو المساس بهن ولقد كانت الغيرة تولد مع القوم وكأنهم رضعوها فعلا مع لبن الأمهات. ثم جاء الإسلام فحمد لهم هذه الغيرة وشجع المسلمين عليها ذلك أنها إذا تمكنت في النفوس كان المجتمع كالطود العظيم الشامخ حمية ودفاعا عن الأعراض وأخبر النبي صلى الله تعالى عليه وسلم عن غيرة الله وغيرة المؤمن فقال: (إن الله يغار وإن المؤمن يغار وغيرة الله أن يأتي المؤمن ما حرم الله) رواه الإمام مسلم وقال سعد بن عبادة رضي الله تعالى عنه لو رأيت رجلا مع امرأتي لضربته بالسيف غير مصفح فتعجب الصحابة فقال النبي: (أتعجبون من غيرة سعد لأنا أغير منه والله أغير مني) رواه الإمام البخارى وفي رواية (ما من أحد أغير من الله من أجل ذلك حرم الفواحش) واستدل العلماء بقول الله عز وجل: ((قل إنما حرم ربي الفواحش ما ظهر منها وما بطن والإثم والبغي بغير الحق وأن تشركوا بالله ما لم ينزل به سلطانا وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون)) الأعراف33.على أنها أصل في إثبات الغيرة لله تعالى ومن غيرته جل وعلا أنه حرم الفواحش. إن أعظم الغيرة غيرة الله عز وجل ومنها غيرته على كتابه الذى أنزله ليكون المنهج الذي يحكم خلقه فمنهج الله مبرأ عن الجهل والظلم والمحاباة وهي سمات بارزة في مناهج البشر فإذا أعرض العبد عن منهجه غار تعالى على كتابه فكتب الشقاء لكل مخالف له قال تعالى: ((ومن أعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكا ونحشره يوم القيامة أعمى)) طه 124. ومن غيرته تعالى غيرته على محارمه وكل ما حرمه الله وقع في حماه فلا يجوز لأحد أن يقع فيه (ألا وإن لكل ملك حمى ألا وإن حمى الله في أرضه محارمه) متفق عليه ومن غيرته تعالى غيرته على أوليائه إذا أوذوا للحديث (من عادى لي وليا فقد آذنته بالحرب) ولكن الله يملي للظالم فإذا أخذه لم يفلته والمؤمن كذلك يغار على محارم الله تقول السيدة عائشة رضي الله عنها: (وما انتقم رسول الله لنفسه إلا أن تنتهك حرمات الله فينتقم لله بها) والمؤمن يغار على أهله فالديوث هو الذي لا غيرة له على أهله وعرضه. والغيرة خلق كالكرم والإيثار والصبر والشجاعة وغيرها وهو ليس شيئا يكتسب بالقراءة والكتابة ولا بالموعظة والخطابة ولا بالإيمان وحسن الخلق ولو كانت بالإيمان وحسن الخلق ما غار أبو جهل على زوجه وما غار أهل الجاهلية على نسائهم ولكن الغيرة منزلة لا تُنال بعد توفيق الله ورحمته إلا بالتربية والتهذيب والصرامة والحزم وقوة الإرادة والعزم إنها لا تُنال إلا في ظل الحياة الطيبة والفطرة السليمة التي لم تتعرض لعواصف التغيير والإفساد.

إن مما يندى له الجبين وتدمع منه العين تلك المدنية العصرية التي غزت العالم الإسلامي في معظم ربوعه من ذبح صارخ للأعراض ووأد كريه للغيرة وأغان ساقطة وأفلام آثمة وقصص وملابس وحركات وعبارات ما أنزل الله بها من سلطان ما بين مسموع ومقروء ومشَاهد في صور وأوضاع تجمع كل الأسف والأسى في كثير من بلاد العالم إلا من رحم الله ونسأله لبلاد المسلمين السلامة.