| أبو أنس.. ذكريات ووفاء   عدد القراء : 123   .
سطور من مذكراتي.. مُعاذ أبو البراء كانت ليلة الجمعة 2004/4/9م تحمل مشهداً لم يكن بالنسبة لي مشابها ً للمشاهد التي يتذكرها العراقيون في مثل هذا اليوم، ذكرى احتلال بغداد، فمع هذه الذكرى بدأت قصة جديدة، حين التحق أخي وصديقي (أبو أنس) بركب الشهداء، ومضى معتلياً مرتقياً، يطلب الفردوس، وصحبة المختار، وينعم بجوار الرحمن.. ومن واجبي تجاهك ياصاحبي أن أكون وفياً، وكيف لا وأنت أهل للوفاء وجدير به..؟؟ لذلك كنت أسجّل كل عام في ذكرى رحيلك لوحات من صفحاتنا التي عشناها معاً، علّني أوفي جزءاً من حقك عليّ..! فحين مرت الذكرى الأولى سجلتُ خواطري بعفوية وسذاجة، حتى كأني اليوم لا أجرؤ على إظهارها ثانية لأنها من البساطة بمكان ما لا يليق بمقامك.. فأستميحك عذراً!! وحين انطوت صفحة العام الثاني من ذكراك كتبتُ لك: ما أفـصحَ الـعينَ حيـن الــدمعُ ينهمرُ. يجري سـِراعا ً على الوجـنين ِ يــنتشرُ فـالـروحُ تشـكو سـِقامـا ً قد ألمَّ بها وإن قـلبيَ بـالآلام ِ يــُعـــتـَصَرُ ذي مـُقـلـتـّيّ تعافُ النومَ ساهـرة ً ترثـيـك عيـنايَ دمـعا ً وهي تحتضِرُ ذكراكَ مرّتْ وعنـدي بالهوى شـغـَفٌ أبـكي عـليـك وبالأشــواق ِ أستعرُ يا راحلا ً كـان بين الصحبِ قــُدوتهم أنـوارُ وجـهك مـنها يرشــُفُ القمرُ بـرغــم عـام ٍ تـولـّى قـبلـه عامٌ ماانـفـك طـيفـك بالأحـداق ِيـأتزرُ بـيـن الـجـوانـح ِ ألحانًٌ أردِدُهــا وذكـريـات ٌ، بـهـا لازلتُ أدّكـــِرُ فـكـلُ يـوم ٍ قـضيـناهُ بـصحبـَتـِنا لهُ غـــراسٌ وروضٌ دائــما ً نـضـِرُ (والأعظميةُ) عـند الـنهـر ِ شـاهــدة ٌ كــما (الـوزيـرية ُ) الـثكلاءُ و(العُمـَرُ*) حـُلـُمٌ تـوارى بـمثـل البرق ِ سُرعتـُهُ أفـقـتُ مـنـهُ لأمـر ٍ شـاءهُ الــقدرُ أدعُ الإله بـدار ِ الخُـلد ِ يـجـمـعـَنـا أنا وأنت وباقي صحبـِـنا الخـِـيــَـرُ وحين داهمتني ذكراك الثالثة لم أجد بداً من أن أترك للقلم والقلب أن يجتمعا معا ويُحيكا نسجاً من الكلمات الممزوجة بالمشاعر فكانت هذه السطور: هاقد انطوت صفحة عام ثالث على المشهد..! ولم تدع الأيام الخوالي من أثر سوى بصمات من الذكرى تُنقش في الخاطر.. فتارة ابتسامة وضحكة هنا، وأخرى دمعة وكدر هناك الصفاء، الجمال، الإخلاص، الصدق، والحب : جميعها عناصر ضمن المشهد الذي ما عاد يكتمل ولأجلها كانت الحكاية.. إيـه..!! هكذا الدنيا ... زوالٌ وارتحال،والجاهل هو من يعلق آمالا ً ببقاء أو دوام.. غير أن العاقل يقتنص منها ما ينفع،ليصيغ من كل وقفة فكرة،ومن كل قصة عبرة. مضت الأعوام الثلاثة تتسابق والذكرى،حتى كأنهما فرسا رهان، وفيها تكاثرت الأحداث،والتهبت المواقف،وماجت بحار البلد صاخبة متلاطمة.!! كل ذلك لم يحل بين الذكرى وصاحبها،الذيْن لم يجعل الله لجسام الأحداث عليهما سبيلاً. عند اللقاء الأول كل شيء يسير بشكل يفوق الوصف،فأبو أنس وهو الذي ما تبرح البسمة محياه يذكرني بذلك اليوم باستمرار،وكأنه والله أعلم يريد أن يوصل لي رسالة مفادها : يوم اللقاء يعود رغم آلام البعاد.. وهذه الجملة وحدها كفيلة بأن تجعلني أتمسك بهذه الذكرى،وأبحر في ثناياها،مستنشقا ً من عبير الأخوة التي امتد عماد لقائنا على أساسها،متذوقا ً حلاوة الصحبة الصالحة التي نسجناها سويا ً،مستشعرا ً الأمل الذي تعلمنا كيف ننتزعه من قلب الألم. وهكذا تتكرر العبارات نفسها كل عام،وتتكرر المشاعر ذاتها،وتتكرر معها أشواق حبيسة منذ حولين مضيا تبعهما ثالث،في ذكرى يوم أفول كوكب دري ملأ الأرجاء أنوارا ً وبريقاً.. وحينئذ.. تطير من أعشاش الحب حمائم..وتهب على الأعظمية من جهة دجلة نسائم عبقة ً،تـُشمّ في حنان.. تفوق عطر الورد والأقحوان ..تـُذكـّرُ الغادين والرائحين، في أزقتها والأركان والمصلين في جامع أبي حنيفة النعمان،و الصحبَ والخلان.. وشارعَ عشرين، والكم، ومنـزلَ شاعر الإخوان بما جرى قبل ثلاثة أعوام،حين الصديق أفل ومضى الحبيب وارتحل وهو الذي قضّى الحياة صابرا ً،لا خوف يجزعه أو وجل غذ الخطى نحو المعالي قاصدا، حيث الخلود أبدا لامرتحل وهذا العام الرابع أتى .. فماذا عساي أن أقول في حقك..؟؟ وما الذي يمكن لي أن أقدمّه إليك ..؟؟ وكيف لي أن أجدد ذكراك وأنت لم تغب يوماً عني وعن الذكريات..؟؟ هل يكفي حصاد السنوات الثلاث..؟؟ أم سيكون للقادم من الأيام إن شاء الله مشهد رابع؟؟ لاشك أن للمشهد وجهاً رابعاً ..فأرجو الإنتظار!!. مُعاذ أبو البراء ــــــــ *جامع العمري في حي الوزيرية ببغداد |