من ماي لاي الى حديثة الحرب والمجزرة والعدالة   عدد القراء : 768   .


البصائر/ قسم التحقيقات

مشهد من مذبحة أمريكية فى فيتنام قامت القوات المسلحة الأمريكية منذ أربعين عاماً، فى السادس عشر من آذار من العام 1968، بارتكاب مجزرتها الأكثر شهرة وصيتاً. ففي صباح واحد في ماي لاي، وهي قرية صغيرة فى فيتنام، قُتل حوالى (504) من المدنيين من الرجال والنساء والأطفال من قبل فرقة تشارلي من الدورية الأولى من الفرقة العشرين مشاة.

ولقد تم اغتصاب عدد من الضحايا قبل قتلهم، ولقد تم احراق الأكواخ ذات الأسقف القشية والمنازل المبنية من الطوب الأحمر في القرية، وتم قتل الدواجن وتسميم الآبار. ولقد استهلك الأمر ثلاثة أيام أمام رجال الانقاذ ليقوموا بدفن الجثث.

لم يكن هناك أي شيء غير اعتيادي بالنسبة لفرقة تشارلي في مقابل القوات الأمريكية الأخرى: فلقد كانت معتدلة للغاية طبقاً لما ذكره المؤلفان ميشيل بولتون وكيفين سيم. ويذكر المؤرخان جايمس أولسون وراندي روبرتس أن معظم الرجال كانوا من خريجي المدارس العليا وتتراوح أعمارهم بين الثامنة عشرة والثانية والعشرين؛ ولقد كان هناك تقسيم وتفريق واضح للغاية بين الجنود السود والبيض؛ ولقد كان لتلك الفرقة شكل القطاع العرضى من المجتمع الأمريكي.

ولكن لقد واجهت تلك الفرقة حقائق القتال ضد أعدائهم المراوغين من جبهة التحرير (فايتكونج) والفيتناميين الشماليين، الذين غالباً ما اختلطوا بالسكان القرويين. لم يستطع الجنود الأمريكيون التمييز بسهولة بين المدنيين والمقاتلين، ولقد كان العنف ضد المدنيين شيئاً مألوفا. ولقد حدثت المجزرة فى خلفية الهجوم الشامل الهجوم الفيتنامي العام الذي شُن خلال السنة الفيتنامية الجديدة فى كانون الثاني من العام 1968، والذي قد أسفر عن وقوع العديد من الضحايا فى جانب القوات الأمريكية.

الهجوم على القرية

ولقد تلقت فرقة تشارلي الأوامر بالهجوم على قرية تُعرف باسم ماي لي. ولقد أخبر القائد ايمست مدينا رجاله أن هناك ما بين (250 الى280) من قوات الأعداء موجودين خارج القرية، وسيكون المدنيون المحايدون موجودين بالخارج في السوق، وربما يكون أي من المدنيين الباقين من مؤيدي فايتكونج. ولقد أمر القائد مدينا، المقدم فرانك باربر، أن يتم تدمير القرية- فلقد كان حرق المنازل وقتل المواشي مجرد سياسة معيارية. لا تزال الأوامر التي أعطاها مدينا لرجاله غامضة، ولكن بكل تأكيد لقد ترجمها الكثيرون منهم على أنه لا يجب ترك أي فرد. وعندما دخلت فرقة تشارلي الى القرية لم يكن هناك أي أثر للعدو. ولقد أطلق الجنود الغاضبون النار على أي شي يتحرك. ولكن لم يمت الا المدنيون- ولقد أوضحت الشهادة الأخرى احصاءات الأشياء المرعبة والفظائع: فلقد أصيب العجائز والرضع والأطفال، والأفراد العاجزون، ولقد تم اغتصاب النساء. ولقد كان أحد الضباط، وهو الرائد وليام كالي، مسؤولاً عن الأحداث الأكثر رعباً، حيث أمر بالقيام بعمليات قتل ضخمة للمدنيين الذين قام الجنود الآخرون بجمعهم مع بعضهم البعض. ولقد التقط أحد مصوري الجيش، وهو رونالد هيلبرل، بعض الصور للقتلى في جميع فترات الصباح. وعلى الرغم من ذلك، فان بعض الجنود رفضوا اطلاق النار؛ ولقد قام البعض الآخر باطلاقها بمجرد تلقي الأوامر. ولقد هبط أحد الطيارين، هيو ثومبسون جى أر، بطائرته الهليكوبتر الى اليابسة بين الجنود ومجموعة من القرويين قليلي الحيلة من أجل حمايتهم، وقام بعد ذلك بابلاغ الفظائع التي حدثت الى رؤسائه.

المحاكمات الصورية

الا أنه كان هناك ما يطلق عليه ألسون و روبرتس تغطية محسوبة بهدوء حيث ان مسؤوليات ثومبسون قد أُبعدت من سلسلة القيادة، وفي النهاية لقد أجبر خطاب مرسل بعد أكثر من العام من قبل أحد الجنود لنائبه في الكونغرس القيام بعمل تحقيق عسكري كامل عن طريق المقدم ويليام بييرز، والذي قد أدى الى القاء بعض الاتهامات وحدوث فضيحة واسعة النطاق. ولقد أُدين اثنان وعشرون ضابطاً، ولكن برأت المحاكم العسكرية الجميع ما عدا كالي الذي قد حكمت المحكمة باحيائه، ولقد أُفرج عنه بعد ثلاثة سنوات ونصف.

هل هي جرائم حرب أم حرب منحطة؟

حتى بعد الكشوفات التي حدثت في عام 1969، فلقد ظل العديد من الأمريكيين يصفحون ويبررون مجزرة ماي لاي بناء على الضغط الذي كان الجنود واقعين تحت وطأته، أو ظلوا ينظرون اليه على أنه حادث منفرد حسب نظرية التفاحة الفاسدة في السلة، والتي استخدمتها الإدارة الامريكية للتغطية على فظائع سجن (ابو غريب)، وذلك على الرغم من أن المجزرة كانت نظيرا للعنف الشامل الذي أنزلته القوات الأمريكية على المدنيين الفيتناميين.

لقد كان اطلاق النابالم واشعال النيران في المدنيين من أجل توضيح خطوط العدو، واطلاق النار على المدنيين المشكوك في أنهم يؤون بعض مقاتلي الفايتكونج بمثابة سياسة متبعة. ولقد حدثت اغتصابات واساءات للمسجونين بكثرة. تشير التحقيقات المماثلة وادانة كالي الى أن الولايات المتحدة كانت تميز المدنيين عن العدو على المستوى الرسمي؛ ولكن على أرض الواقع عادة ما عامل الجيش الفيتناميين بالمثل مع المشتبه فيهم من الفايتكونج وتقريباً غفر كل العنف الذي حدث ضدهم.

وبالتالي، قد تمت معاملة المجزرة على أنها حدث من جرائم الحرب من قبل أفراد، ولكنها في الواقع كانت هي النتيجة الواضحة لحرب منحطة- حيث قد تم استهداف المدنيين كجزء من المحاولة الأمريكية لردع الشيوعية في فيتنام والتي اتضح عقمها في النهاية. من المفترض أن تكون الحرب عبارة عن صراع بين جبهتين معاديتين مسلحتين. ولكن تقوم الدول والخارجون على حد سواء بتجنيد المجتمع، وبالتالي يصبح اغراء الهجوم على المؤيدين المدنيين المدعين للعدو بمثابة خطر كامن في جميع الحروب. ففي بعض الحروب، مثل الحرب التي وقعت بين جزيرة الفوكلاند ومالفين في عام 1982، يتم ترك المدنيين بمفردهم من الجانبين، ولكن تعتبر تلك هي الاستثناءات التي تثبت القاعدة. وفي الحرب الحديثة الشاملة، فلقد أدى التجنيد المنظم للمجتمع المدني بالمثل في كل من حروب الشوارع والحروب بين الدول الى استهداف منظم للمدنيين. ففي الحروب المواجهة للتمرد، عادة ما يشتمل هذا الاستهداف على التعديات القاتلة وينحط أيضاً ليصل الى الابادة الجماعية. لم تكن حادثة (ماي لاي) ابادة جماعية، ولكن لقد أظهر بعض الجنود مثل كالي عقلية الابادة الجماعية فى قتلهم الهين للعديد من الفيتناميين الأبرياء.

وبعد عقود، في الواقع بعد قرون من الحروب المنحطة يتجاهل العامة بكل بساطة تلك الفظائع. لقد كانت فيتنام بمثابة جرح عميق بالنسبة للعديد من الأمريكيين الا أنها لم تكن كذلك بسبب مجزرة (ماي لاي). فلقد كان للسياسة الأمريكية وحياة الـ( 58000) جندي أمريكي الذين تكبدتهم تلك السياسة ثقل أكبر بكثير بالنسبة للرأي العام الأمريكي أكثر من ملايين القتلى الفيتناميين أو الفظائع التى تحملوها. عندما بدأت الولايات المتحدة في شن الحروب بشكل مختلف في التسعينيات من القرن الماضي، باعتماد أكبر على القوات الجوية، فانه كان يتم اتباع هذا الشكل من أجل ايقاف نزيف الدم فى جانب جنودها أكثر من انقاذ أرواح المدنيين.

الا أن الطريقة الغربية الجديدة للحرب لعصر ما بعد الحرب الباردة كانت واعدة بحرب أنظف من خلال توجيه شديد الدقة للأهداف العسكرية فقط، ولقد نادت أيضاً بأسلوب أكثر اهتماماً بالمدنيين. ولكن قد بدت تلك الادعاءات خالية من الحقيقة في كوسوفو في الحرب التي استمرت من آذار الى تموز من العام 1999، لم يقتل هناك جندي واحد من جنود حلف الناتو بينما مات المئات من مدنيي الصرب وألبانيا بسبب أنه كان يصعب على الطيارين الأمريكيين من على ارتفاع (15000) قدم التمييز بينهم وبين الجيش الصربي. ومن خلال حمايتها لقواتها، نقلت الولايات المتحدة المخاطر الى جانب المدنيين. ولقد أدى الاستهداف الجوي في أفغانستان والعراق للعدو في مواقعه والذي يصيب الكثير من المدنيين المحتشدين، بالاضافة الى القوات البرية التي تطلق النار أولاً ثم تشرع في السؤال بعد ذلك الى وقوع مئات الآلاف من القتلى والجرحى.