يحدث في العراق ..غداً   عدد القراء : 218   .


فتحي خطاب

في لحظة مبكرة من هذه السطور.. الخص ما أريد أن أقوله:

ان تجارب حركة المقاومة الشعبية وعلى امتداد عمر التأريخ الانساني علمتنا ان تيار المقاومة لا يمكن ايقافه ولا يمكن تجميده والا فاننا ننكر التأريخ.. ورغم تعدد قوى الرفض والشر والمعارضة والاحتلال فإن احدا لا يستطيع ان ينكر ان المقاومة العراقية فرضت امرا واقعا، ورغم التحديات الزاحفة نحوها من مختلف الجبهات.. ومن هذه النقطة نستطيع ان نتابع ما سوف يحدث غدا في العراق وبضمير المستقبل القريب.

واذا كان هناك من يقول -والقول صحيح بالطبع- ان الحركة المتصاعدة للمقاومة العراقية لن تهدأ قبل رحيل الاستعمار الامريكي.. فانه يمكن ان يقال بغير مبالغة ان حركة المقاومة العراقية معبأة بدواعي ثورة شاملة ضد الاحتلال وليس في مقدور احد ان يتحسب لاحتمالاتها او يتخيل قدرتها على الفعل وعلى التغيير.. وربما ايضا استطعنا ان نقول بغير مجازفة ان مدافع المقاومة لن يتوقف مداها وتأثيرها داخل الجغرافية العراقية واعادة رسم الخريطة السياسية العراقية وان تفرض حساباتها على تلك اللوحة الكبيرة الهائلة من الزجاج المعشق بالالوان المتنافرة والصراعات العرقية الكامنة والتباينات المذهبية والعقائدية. لن يقتصر مداها وتأثيرها على الساحة العراقية وانما سوف يمتد الى آفاق اخرى قريبة وبعيدة.. ومن محيطها العربي وحتى شمال المحيط الاطلنطي وفي نطاق اعادة التوازنات والحسابات السياسية والاقتصادية وتغيير مسار الاحداث، وربما تتبدل مواقع وتهتز وتسقط سلطات وادارات حاكمة.

ولا اظن ان احدا يختلف معي اذا قلت ان المقاومة العراقية، وبكل ما قيل ويقال عنها، وعن تنظيماتها ومن يديرها، وما احاط بها من توقعات واحتمالات، وما تثيره من حالات الفزع والقلق، فضلا عن حصاد عملياتها المتواصلة يوميا، وتزايد حجم الخسائر في صفوف قوات الاحتلال ومعداتها وآلياتها العسكرية والتطور النوعي لاعمال المقاومة.. هي من اهم المتغيرات ذات الطبيعة الخاصة التي يمكن ان يتحول الرأي فيها الى رؤية اوسع من وقائعها واشمل.

كيف؟

اذا اردت ان تجد تفسيرا لذلك فأظن ان الاجابة على تساؤل: وماذا يحدث اذا نجحت المقاومة في تنفيذ اهدافها ورحلت قوات الاحتلال? الاجابة هي التفسير المعقول لمعنى الرؤية الاوسع والاشمل لوقائع المقاومة العراقية.. والشواهد امامنا تقول ان هناك مقاومة عراقية عنيدة لمخططات الولايات المتحدة الامريكية... ثم ان التاريخ يقف دائما الى جانب المقاومة الشعبية.

وربما استطعنا ان نقول ان المقاومة العراقية- تحديدا- والمتصلة بقصة الصراع على خريطة العراق والمنطقة، والداخلة في حركتها، سوف تكون لها الكلمة الاخيرة.. وان قدرة المقاومة على الحركة والفعل والتأثير النافذ سوف تحدد مستقبل الاحداث في المنطقة لسنوات قادمة، وسوف تساهم في اعادة صياغة وتشكيل الخريطة السياسية والاقتصادية للمنطقة العربية.. وربما خلقت واقعا عربيا جديدا.

وهذه الحقائق وهي في دائرة التوقعات والاحتمالات لم تكن بعيدة عن فكر الادارة الامريكية وفجرت هواجس القلق لدى الرئيس الامريكي بوش وقد اثار هذه القضية المهمة والحساسة للمرة الاولى بهذا الوضوح وهذه الصراحة خلال لقاء مغلق عقده مع عدد من زعماء الكونغرس من اعضاء الحزب الجمهوري وعدد آخر من كبار المقربين من اركان ادارته. وكانت كلماته تحمل تحذيرا من ان تستطيع القوى الاخرى المقاومة العراقية ان تعلن التعادل مع امريكا او تضطرها الى سحب قواتها من العراق، ولو حدث هذا فان الدور الامريكي سوف يضعف في الشرق الاوسط بل في الساحة الدولية، وسوف تواجه المصالح الامريكية الحيوية والاستراتيجية ضررا بالغا، وستتعرض منطقة الخليج العربي والدول المجاورة لها لهزات كبيرة تهدد بقلب موازين القوى في المنطقة، ومما يفتح الباب امام انفجار نزاعات مسلحة وحروب قد تتورط فيها امريكا نفسها.

وعموما هناك الكثير مما يمكن ان يقال عن المقاومة العراقية رغم محاولات التعتيم والتضليل المتداخلة والتي تشارك فيها كل الاطراف المعنية بمصالح ومطامع وعداءات ومشاحنات واحلام واوهام، تصور اصحابها ان الوقت قد حان لاعادة رسم خريطة العراق كما يروق لهم، او انهم مثلا امام لحظة فاصلة في تاريخ العراق عليهم اقتناصها، وان ما يجري على الارض سوف يصنع شكل المستقبل وفقا لما يريدون? ومن المفارقات التي تستحق التأمل.. ان هذه التصورات والتحركات تقع خارج اهتمام المقاومة العراقية وهي تواصل هجماتها ضد قوات الاحتلال.

والحقيقة الكاملة حتى الان ان المقاومة العراقية لا تزال سرا ملفوفا بالالغاز، وتلك هي القضية الاكثر تعقيدا امام الادارة الامريكية وتوابعها وبعد ان عجزت عيون وعملاء عشرات اجهزة الاستخبارات وفي المقدمة منها الامريكية والبريطانية و(الاسرائيلية) والايرانية- عن كشف المستور، وفك شفرة الخيوط العنقودية لتنظيمات المقاومة، ومواقعها، ورجالها، واسلحتها، واتصالاتها، وحتى موقفها من المجموعات المسلحة الاخرى التي وجدت على الارض العراقية ساحة للمواجهة مع الامريكان وقد عجزت - ايضا - قوات الاحتلال، والشركات العسكرية الخاصة العاملة في العراق عن فتح ثغرة في جدار المقاومة العراقية، او ملاحقة او محاصرة فصيل واحد ينتمي للمقاومة، على الرغم من الحملات المتواصلة طوال خمس سنوات من المداهمات والاعتقالات وممارسات الاستجواب التي تبلغ حدا لا يمكن تصوره ورغم عشرات المتاريس والحواجز ونقاط التفتيش التي تخترق الجغرافية العراقية بتواجد وسطوة مختلف اجهزة قوات الاحتلال.

والادارة الامريكية - وهي في قاع المستنقع العراقي - والادارة المحلية العراقية تحت سلطة احتلال - وهي متعثرة على سطح المستنقع - يدركون تماما ان المقاومة العراقية - هي فقط - التي تقف حائلا بينهم وبين اهدافهم، واحلامهم، وما يريدون.. وان المقاومة - وحدها - هي التي كشفت عورات الجميع، وكسرت هيبة الدولة الاعظم، واصبحت صداعا مزمنا في رأس الادارة الامريكية.. وان العنصر الوحيد الفاعل والنافذ في الازمة يرجع للمقاومة - ورغم كل ما يقال عن اسباب اخرى داخل المنتديات والمؤتمرات التي تعقدها الادارة الامريكية حول العراق - وان الاوضاع لن تستقر طالما بقيت المقاومة العراقية.. وقد بدت كل الطرق مسدودة امام ورطة الادارة الامريكية.

ولكن اذا رحنا نبحث ونتقصى فسوف نجد ما يأتي:

أولا: المقاومة العراقية اعلنت عن نفسها في لحظة مباغتة كان الجميع عربا ومحتلين يتصورون ان الاستسلام الدرامي للعاصمة بغداد قد انهى كل شيء - نظاما حاكما ومرحلة باكملها في الزمن العراقي المعاصر - وما حدث ان المقاومة العراقية لم تمهل قوات الاحتلال اياما معدودات لتثبت الاقدام والتقاط الانفاس او التمتع بصفقة الانتصار.

ثانيا: المقاومة العراقية اثبتت انها تملك اسلوبا منظما في ادارة الحركة - اختيار الاهداف، ونوعية السلاح وتوقيت الهجوم، والانسحاب - ومقاومة منظمة وباعتراف القيادات العسكرية الامريكية، تتطلب بالضرورة وجود قيادة على درجة من الوعي بما يحيط به على الارض، فالقيادة في المقاومة - اية مقاومة وطنية - هي تخطيط وتوجيه واوامر وغير ذلك تصبح العمليات ضربات عشوائية عارية تكشفها تحركات غير مدروسة وبغير تنسيق مسبق بين الاطراف الاخرى، ويمكن ملاحقتها واجهاضها خصوصا في مواجهة قوات احتلال امريكية بريطانية ورديفها من قوات مساندة من دول حليفة الى جانب عساكر الشركات الخاصة من المرتزقة.

ورغم هذه الحقائق، فان هناك من يبتعد عن قصد مقصود عن مواجهة السؤال الكبير: لماذا عجز الحلفاء عن كسب الحرب? ولماذا فشلت الحملة العسكرية الامريكية على العراق? والجواب: المقاومة الوطنية العراقية والتي لا تزال سرا ملفوفا بالالغاز بالنسبة لامريكا وحلفائها وعيونهم واجهزة استخباراتهم واتصالا بهذه الحقيقة التي لا مفر من مواجهتها فان الحل بيد المقاومة العراقية وسوف تبقى هذه الحقيقة الكبرى معلقة بالمستقبل، كما ان المستقبل بدوره معلق بها.