| مدخل إلى إشكاليات الكتابة الأدبية للطفل/ميزوني محمد البنّاني   عدد القراء : 136   .
من منّا لا يتذكّر، إلى الآن، القصص الأولى التي أتاحت له الظروف قراءتها في طفولته؟ هل أجيب بـ :لا أحد طبعا؟ المؤكد أنكم تتذكرون عناوينها، وصورها، وألوان أوراقها، وسطورا منها، وربما تخاطبتم مع بعض شخوصها في المنام، أو هيئ لأحدكم أنه جلس إلى بعضها الآخر في اليقظة. لكم أو لبعض منكم أقول على لسان أحد كتاب الأطفال: وما زلت إلى اليوم أذكر القصص الأولى التي قرأت في حداثتي، وما زلت أذكر صورها، وألوان حروفها، وروائح أوراقها ... في ذلك العهد كانت القراءة نظرا ولمسا وشمّا، أي كانت التهاما للعالم عن طريق الكلمات... لم أكن أقرأ القصّة فحسب بل كنت أدنو من الشّخوص وأبصرها وأمدّ يدي إلى الأشياء فألمسها...
لقد كانت القراءة استنفارا لكلّ الجوارح وإذكاء لجميع الحواسّ؛ أي كانت بعبارة أخرى عيدا من أعياد الجسد والخيال والروح هكذا قال الدكتور : محمد الغزّي في معرض حديثه عن الطّفل وثقافة الصّورة. إنها شهادة كاتب أطفال على مدى نفاذ جنس معلوم من أجناس الأدب الطفلي إلى قلبه وعقله وخياله وكل حواسه، وتفاعله معه أيام الطفولة . إنّها شهادته وشهادتي وشهادتكم على امتداد أثر الكتاب الأدبي إلى أوجه نموّ الطّفل العقليّة والعاطفيّة والاجتماعيّة... شهادة على ما يمكن أن يصنعه الكتاب بالطفل رجل المستقبل، وما دام للكتاب كل هذا الأمر، وذلك الدّور الخطير، وما دام الطّفل صنيعة لهذا الكتاب فماذا أعددنا له ؟ هل استجبنا لاحتياجاته من الكتب الأدبية؟ إشكاليات في الجهاز المفاهيمي: لا يزال الجهاز المفاهيمي المتعلّق بأدب الطفل يفتقر إلى التحديد والتبويب لأسباب عديدة، أهمّها حداثة نشأة هذا الأدب في الدول العربية، إذ يرجع تاريخ ظهور أوّل أدب مناسب للطّفل إلى الرّبع الأول من القرن العشرين، في حين لم تبدأ مرحلة التبلور إلا في الخمسينات من القرن نفسه، فكان من الطبيعي أن يعيش هذا الفنّ الوافد أزمة مفاهيم ومصطلحات لم تتفرج كليا إلى حد الآن، ذلك لأنّ أدب الأطفال ما زال مفتوحا للداّخلين والخارجين وعدم الاستقرار هذا خلق ندرة في المراجع والدراسات المحددّة للمفاهيم والمصطلحات المعاصرة لهذا الفن. ولأنّ غياب الحدّ والتعّريف ـ في مجال كهذا المجال الذي يتطلب نصيبا وافرا من الوضوح النظري ـ هو الذي يقف وراء عدم السيطرة على مجال أدب الطفل فإنه حريّ بنا أن نعرف أوّلا: ما المقصود بأدب الطفل ؟ يمكن أن يتبادر إلى أذهاننا أنّ المقصود بأدب الطفل إنما هو أجناس هذا الأدب، فنقول إنه ما يقرؤه الطفل أو يسمعه أو يشاهده من قصة وسيرة قصصية و مسرح وشعر... لكنّ هذا التّعريف يبقى في أذهاننا ناقصا ومدعاة للبّس والغموض إذ لا يشفي من التساؤل: عن أيّ أدب نتحدث ؟ ماذا نقصد والقول مفتوح على أكثر من إمكانية ؟ هل نقصد بذلك الأدب الذي يكتبه الكبار للصغار، أم الأدب الذي يكتبه الصّغار للصّغار؟ وإذا تجاوزنا هذا الإشكال وحدّدنا مرادنا بالإشارة إلى الأدب الذي يكتبه الكبار للصّغار- وهو الذي يعنينا في هذه الورقات - برزت لنا أسئلة أخرى لعلّ أبرزها الآن هو: عن أية مرحلة من مراحل تاريخ الجنس البشري - الذي لم يخل من أدب الأطفال - نتحدث ؟هل نقصد المرحلة الأولى؛ أي مرحلة الاتجاه التلقائي الذي أنتج أدبا تلقائيا بسيطا تمثّل في تلك الحكايات والخرافات والقصص التي كانت الأمهات يروينها لأبنائهن، وما ضمّه (كليلة ودمنة) و (ألف ليلة وليلة) والتراث العربي عموما من قصص وأمثال وأخبار ونوادر وملح ؟. هل نقصد المرحلة الثانية ؛ أي مرحلة الاتجاه الواعي الذي أنتج،منذ العشرينات من القرن الماضي،أدبا خاصا يناسب الأطفال، يهدف إلى خلق جيل فعاّل في بناء المجتمع وتطوره، قادر على التكيّف مع التقدمّ المادي الحاصل في مجتمعه، والتّثاقف مع الآخر؟ إنّنا إذن، إزاء جملة من المفاهيم التي أثارها مصطلح أدب الطفل أقلّ ما يقال عنها إنهّا تحمل الشيء ونقيضه ( أدب الكبار / أدب الصغار / الاتّجاه التلقائي / الاتجّاه الواعي).. لذلك توجّب علينا تحديد الطّرفين المعنيّين بأدب الطفل ؛ ونقصد بهذا الباث (الكبار) والمتقبل (الصغار) وطبيعة الرّسالة التي يتواصلان عن طريقها ( رسالة مخصوصة واعية) في ظلّ اتّجاه يقصر مفهوم أدب الطّفل على ما ابتكره الأطفال، وقاموا بكتابته بأنفسهم، ويدعو، في الوقت نفسه،إلى رعاية تلقائية الأطفال وتنمية طاقاتهم الإبداعية من المفروض، الآن، أننا تعرفنا إلى الطفل الذي نريد أن نتوجّه إليه بالكتابة، وعرفنا قدراته ومهاراته واستعداداته، لكن هل هذا وحده يكفي، في ظل انتظارات المجتمع من الكاتب أن يساهم في نحت ملامح الطّفل المنشود، وبناء شخصيّته، وتهذيب ذوقه،وتفجير مواهبه، ومساعدته على مواكبة التّغييرات الماديّة،والتّعامل الإيجابي مع تكنولوجيا المعلومات والاتصال، وغيرها من الانتظارات الطّموحة ؟ لماذا نكتب للطفل ؟ ويمكن أن نحوصل إجاباتهم في الاتجاهات التالية: - اتجاه يحمل على عاتقه مسؤولية قومية، وتاريخية، ودينية، وتربوية،تجاه الأطفال باعتبارهم جيل المستقبل، وفي هذا المجال يقول الشاعر: سليمان العيسى، في مقدمة ديوانه غنّوا يا أطفال: ( لماذا نكتب للصغار؟ لأنهم فرح الحياة ومجدها الحقيقي،لأنهم المستقبل،لأنهم الشباب الذي سيملأ الساحة غدا أو بعد غد،لأنهم النبات الذي تبحث عنه أرضنا العربية لتعود إليها دورتها الدموية التي تعطلت 1000 عام وعروقها التي جفت 1000 عام بل أكثر. وفي الاتجاه نفسه يسير د. محمد الغزي حين يعتبر أن المدوّن يحمل القدرة على سّد نقص،ورتق فتق، ويسهم في مناعة الطفل وجدانيا وثقافيا، في ظرفنا الحالي،الذي يشهد طغيان ثقافة صورة كثيرا ما تهدف إلى اجتثاثه من بيئته العربية الإسلامية عبر استهداف روحه ووجدانه بشتى الطرق الملتوية، في ظل النقص الفادح الذي يعانيه مجال كتاب الطفل، وحاجيتنا الملحة، في الوقت الراهن، إلى ولادة المزيد من كتاب الأطفال لذلك نفهم دعوة محمد قطب إلى الاحتفاء بكل كاتب جديد ينضمّ إلى هذه الزمرة لأن اكتشاف كاتب للأطفال يذكّرنا باكتشاف شاعر القبلية قديما ... بما يمثله من قيمة فاعلة في تشكيل الوجدان العام. اتجاه ثان يعترف صراحة بأنه لا يدري لماذا يكتب للطفل، هل هو اليأس من إصلاح الكبار والهروب إلى عالم طفولي مفتوح على التغيير والتشكيل ؟ هل هو الانتقام لطفولة بائسة عاشها الكاتب،وتعويض لما فات ؟ هل هو إشفاق على كل طفولة معذبة ؟ وهي حيرة واضطراب نجد بعض صداها في مدخل تجربة أحمد الشيخ في قوله : ربّما أكون في تلك الأيام من سنة 1978 قد سئمت من الكبار وتحوّل حلمي في اتّجاه الصّغار. وربما أكون قد استرجعت طفولتي وتحاورت مع نفسي بصراحة زائدة وتأكّدت أنّ بداخلي طفلا محبوسا في بدن رجل تائه في مدينة يتصارع فيها الناس وهو عاجز عن دخول الصراع.. ولابد أن طفولتي كانت حزينة .. ولابد أنني كنت أداري عن نفسي تلك الحقيقة، وأنه حدث أن اكتشفت حبي للأطفال الأصغر مني في تلك الأيام البعيدة. -إلى هذا الحدّ يعكس الاتجاه اضطرابا في الغايات يمكن أن يخلق شيئا من الخوف على الأطفال ( المتقبل) من عقد الكبار(الباث) وتهويماتهم وإسقاطاتهم.. لماذا لا نكتب للأطفال ؟ ونضع في هذا الاتجاه كل الذين لم يكتبوا للطفل، صحيح أنه اتجاه صامت لا يكاد يعبر عن نفسه، لكن ذلك سوف لن يمنعنا من تلخيص أسباب عدم طرقهم باب الكتابة للطفل، رغم أهليتهم، في النقاط التالية:اعتقاد البعض أن الكتابة للطفل تضحية كبيرة لا تحقق لصاحبها المجد الأدبي الكافي، فكتاب واحد للكبار-حسب رأيهم - قادر على صنع الاسم الذي ليس في مقدور عشرة كتب للصغار أن تصنعه مجتمعة في غياب وسائل الإعلام والنقد المهتمة بكتاب الطفل. -الاعتقاد بأن الكتابة للطفل حطّ من مكانة الكاتب، وتهميش لمسيرته،ونزول من قسم كاتب للكبار إلى قسم أدنى كاتب للصغار وهو اعتقاد نابع من مشاعر ترفّع الكتّاب الكبار عن هذا الفن، في غياب الناقد الموضوعي المتخصص القادر على التقييم الموضوعي، ودحض الأحكام المسبقة، وتخليص أدب الطفل من الرديء والمتهافتين و تلميع صورته في ظل سوء سمعته التي لا تزال تلازم أذهان المترفعّين... -الخوف من خوض تجربة الكتابة للأطفال في ظل غياب الكتب المتعلقة بفن الكتابة للأطفال، وقواعده وأصوله،ومعاييره، فإذا علمنا أن جل النقاد يرهبون الكتاّب من ولوج عالم الكتابة للطفل ويذكّرون بشيء من المغالاة بأن أدب الطفل فن صعب للغاية مستعص إلا على أهل الاختصاص أدركنا أن في الأمر حواجز نفسية صنعها التهويل، إذ بدلاً من أن يحدد هؤلاء النقاد ملامح الأدب المطلوب للطفل ومعاييره، نراهم يغرسون في نفوس الكتاّب خوفا ظل يلاحق حتى الكبار منهم، نذكر منهم توفيق الحكيم الذي اعترف مرة بأن له مع أدب الطفل مشاكل. -اعتبار الكتابة للطفل قيدا مضنيا يثقل كاهل الكاتب، ويطمس أسلوبه،وشخصيته بما يتطلّبه من التزام بمنظومة معلومة، وقواعد فنية بسيطة،تفسد الإبداع وتجعله لا يخلو من التكلف والابتذال،وهذا الرأي يجد مبرراته في الدعوة الملحّة لبعض النقاد إلى ضرورة اطّلاع كاتب الأطفال على المبادئ الأساسية التي قام عليها كل إصلاح تربوي جديد، وآخر النظريات التربوية المعاصرة، وقواعد علم النفس (علم النفس التحليلي وعلم النفس الاجتماعي و علم النفس القياسي) و علم نفس الطفل (النمو الحركي والنمو العقلي والنمو الوجداني والنمو الاجتماعي) وضروب البيداغوجيا وتعلميات المواد..بمثل هذه التبريرات يتعلل الذين لا يكتبون للأطفال، رغم أن مواقفهم مبنية على أحكام مسبقة، ترفض أن تقتنع بأن أدب الطفل علامة نضج فني وفكري وجمالي، تحسب للشّعوب، والكتّاب، و أنّ الكاتب البارع المتمرس قادر، كل القدرة،على تطويع هذا الفن لأسلوبه. |