وقفات على قصص المصحف/محمد الحسني   عدد القراء : 535   .


قصة أصحاب الكهف


أوجه المناسبة بين قصتهم ومقاصد السورة

ومن أوجه المناسبة بين قصة أصحاب الكهف والمقاصد الرئيسية لسورة الكهف أنها خطت لنا طريق النجاة من الفتن حين تعرض الفتية لفتنة عظيمة عصمهم الله منها،حيث سعى الملك إلى فتنتهم في دينهم واستغل سلطانه في مساومتهم على الحق وإغرائهم بكل المغريات كما استخدم فتنة التهديد والوعيد فضلا عن فتنة الضغوط العائلية ؛فهم من اسر لها مكانتها ووجاهتها ،فعصمهم الله تعالى من كل تلك الفتن لما خلصت نيتهم وصفت سريرتهم وصدق توجههم إلى الله تعالى.

وهكذا نجد السورة الكريمة تبرز لنا طريق النجاة من جميع الفتن فتنة السلطان وفتنة الأهل والعشيرة وفتنة المال وفتنة الولد وفتنة العلم وفتن الأعداء وفتنة إبليس اللعين وفتنة العلم والملك والولد من خلال قصة أصحاب الكهف وصاحب الجنتين وقصة موسى مع الخضر،وفتنة القوة والتمكين من خلال قصة ذي القرنين لذلك فلا عجب أن نجد من خواص هذه السورة الكريمة ومن جملة فضائلها أنها عصمة لقارئها من الفتن . روى الإمام مسلم في صحيحه بسنده عن أبي الدرداء أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:( من حفظ عشر آيات من أول سورة الكهف، عصم من الدجال) وعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : (من قرأ سورة الكهف في يوم الجمعة أضاء له من النور ما بين الجمعتين) فهي نور وضياء لقارئها تبدد ظلمات الفتن وهي عصمة لقارئها من فتنة عظيمة ألا وهي فتنة المسيح الدجال عصمنا الله منها ، وذلك من ثمرات قراءتها ومن خلال ما قدمته من مفاتيح للتعامل مع مغاليق الفتن وتحصينات من الاغترار بزينة الدنيا وزخارفها وبهارج الباطل واهله.

3- درس آخر للقصة: يقول الشيخ الشعراوي(رحمه الله): هؤلاء الفتية كانوا مؤمنين خافوا على أنفسهم من طغيان باطل كافر فانتقلوا الى كهف يختبئون فيه حتى لايدفعهم الكفار الى عدم الايمان ويعود بهم الى الكفر .. والله تعالى يريد ان يبين لنا انه مهما ظهر الباطل فان الايمان موجود في الدنيا قد يكون مستورا عنا ولكنه موجود لاينتهي ابدا .هذه هي الآيات الأولى  من السورة ولكننا عندما نتأمل فإننا نجد في هذه الآيات عددا من المعجزات القرآنية  التي يريد الله تعالى ان يخبرنا بها وان يوجه نظرنا اليها.

يقول تعالى( فَضَرَبْنَا عَلَى آذَانِهِمْ فِي الْكَهْفِ سِنِينَ عَدَداً) وهذه هي المعجزة الأولى فالله تعالى يريد إن يخبرنا ان الشيء الذي لاينام في الحواس هوالأذن.. الأذن تظل مفتوحة  تؤدي وظيفتها سواء اردت أم لم ترد اذا كانت لا تريد ان ترى شخصا فانت تغمض عينيك او تشيح بوجهك ولكنك اذا لم ترد ان تسمع صوت الشخص نفسه فانت لاتستطيع ان تغمض اذنيك واذا كان هناك انسان نائم فقد تمر بيدك قرب عينيه فلا يستيقظ ولكنك متى احدثت صوتا بجانب اذنه فانه يستيقظ على الفور .ومن هنا فان الله تعالى حين اراد ان يجعل اهل الكهف ينامون سنين طويلة دون ان يحسوا بما حولهم فانه لم ياخذ ابصارهم ولم يجعل حركة قلوبهم تهبط قليلا ولكنه ضرب على اذانهم وكان هذا كافيا جدا ليفصل بينهم وبين الدنيا تماما طوال فترة نومهم.

ثم يقول في آية اخرى (وَنُقَلِّبُهُمْ ذَاتَ الْيَمِينِ وَذَاتَ الشِّمَالِ) .. لماذا قال الله تعالى هذا الكلام ..؟مع انه لوحذف لما تغير السياق كثيرا ولكن كل كلمة في القرآن الكريم معنى معجز بعضه وصل اليه العقل والبعض الآخر سيصله بعد سنوات.

اذا تأملنا الاية نجد ان الله تعالى سيبعث هؤلاء الفتية اي سيعيدهم مرة اخرى الى حياة البشر ومن هنا فانه يضع قواعد الصحة للرقاد الطويل فنجد اننا الان اذا اصيب احدنا بمرض يتطلب رقادا طويلا فإن الاطباء يحذرون من ان المريض يجب ان يقلب يمينا وشمالا حتى لا يصاب جسمه بالقروح او تحدث له انسدادات في الدورة الدموية في القدمين او في الجزء الاسفل من الجسم ، ومن هنا فان الله تعالى وقبل ان يكتشف العالم البشري ذلك بسنوات طويلة وضع هذه الاية الكريمة ليخبرنا بانه مادام هناك رقاد طويل فيجب ان يقلب المريض وان يكون هذا اساسا في المحافظة على صحة الانسان او على الاقل في منع اضرار بالغة عنه.

قراءة أخرى للقصة في زمان ومكان غير معروفين لنا الآن ، كانت توجد قرية مشتركة ضل ملكها وأهلها عن الطريق المستقيم ، وعبدوا مع الله مالا يضرهم ولا ينفعهم .عبدوهم من غير إي دليل على إلوهيتهم .ومع ذلك كانوا يدافعون عن هذه الالهه المزعومة ، ولا يرضون إن يمسها احد بسوء . ويؤذون كل من كفر بها، في هذا المجتمع الفاسد ، ظهرت مجموعة من الشباب العقلاء . ثلة قليلة حكمت عقلها ، ورفضت السجود لغير خالقها ،الله الذي بيده كل شيء فتية امنوا بالله ،فثبتهم وزاد في هداهم.

لم يكن هؤلاء الفتية أنبياء ولا رسلا ، ولم يتوجب عليهم تحمل مايتحمله الرسل في دعوة أقوامهم . إنما كانوا أصحاب إيمان راسخ ، فأنكروا على قومهم شركهم بالله ، وطلبوا منهم اقامه الحجه على وجود اله غير الله . ثم قرروا النجاة بدينهم وبانفسهم بالهجرة الى القرية  والتوجه لكهف مهجور ليكون ملاذا لهم  .خرجوا ومعهم كلبهم من المدينة الواسعة ،للكهف الضيق تركوا ورائهم منازلهم المريحة ،ليسكنوا كهفا موحشا . زهدوا في الاسره الوثيرة ،والحجر الفسيحة ، واختاروا كهفا ضيقا مظلما ان هذا ليس بغريب على من ملأ الايمان قلبه .فالمؤمن يرى الصحراء روضة ان احس ان الله معه .ويرى الكهف قصرا ، ان اختار الله له الكهف . وهؤلاء ماخرجوا من قريتهم لطلب دنيا او مال ، وانم خرجوا طمعا في رضي الله . واي مكان يمكنهم فيه عباده الله ونيل رضاه سيكون خيرا من قريتهم استلقى الفتيه في الكهف ، وجلس كلبهم على باب الكهف يحرسه ،وهنا حدثت المعجزة . لقد نام الفتية ثلاثمائة  وتسع سنوات .وخلال هذه المدة ، كانت الشمس تشرق عن يمين كهفهم وتغرب عن شماله ، فلا تصيبهم أشعتها في اول ولا اخر النهار .وكانوا يتقلبون أثناء نومهم ، حتى لا تهتريء أجسادهم ، فكان الناظر اليهم يحس بالرعب لأنهم نائمون ولكنهم كالمستيقظين من كثرة تقلبهم بعد هذه السئين الثلاث ، بعثهم الله مرة اخرى استيقظوا من سباتهم الطويل ،لكنهم لم يدركوا كم مضى عليهم من الوقت في نومهم . وكانت اثارالنوم الطويل بادية عليهم . فتساءلوا : كم لبثنا ؟! فأجاب بعضهم : لبثنا يوما او بعض يوم . لكنهم تجاوزوا بسرعة مرحلة الدهشة ، فمدة النوم غير مهمة . المهم انهم استيقظوا وعليهم ان يتدبروا امورهم.

فأخرجوا النقود التي كانت معهم ، ثم طلبوا من احدهم ان يذهب خلسة إلى المدينة ، وان يشتري طعاما طيبا بهذه النقود ، ثم يعود اليهم برفق حتى لا يشعر به احد . فربما يعاقبهم جنود الملك أو الظلمة من أهل القرية إن علموا بأمرهم . قد يحيروهم بين العودة للشرك ، أو الرجم حتى الموت.

خرج الرجل المؤمن متوجها للقرية ،الا أنها لم تكن كعهده بها . لقد تغيرت الاماكن والوجوه تغيرت البضائع النقود .استغرب كيف حدث كل هذا في يوم وليلة  وبالطبع لم يكن عسيرا على أهل القرية ان يميزوا دهشة هذا الرجل . ولم يكن صعبا عليهم معرفة انه غريب ، من ثيابه التي يلبسها ونقوده التي يحملها لقد امنت المدينة التي خرج منه الفتية ، وهلك الملك الظالم ، وجاء مكانه رجل صالح . لقد فرح الناس بهؤلاء الفتية المؤمنين . لقد كانوا اول من يؤمن من هذه القرية  لقد هاجروا من قريتهم لكيلا يفتنوا في دينهم  وها هم عادوا فمن حق اهل القرية الفرح وذهبوا لرؤيتهم وبعد ن ثبتت المعجزة ، معجزة احياء الاموات وبعدما استيقنت قلوب اهل القرية قدرة الله سبحانه وتعالى على بعث من يموت ، برؤية مثال واقعي ملموس امامهم . اخذ الله ارواح الفتية فلكل نفس اجل ، ولابد لها ان تموت.

فاختلف أهل القرية فمن من دعى لإقامة  بنيان على كهفهم والعبرة ليست في العدد ، وإنما فيها آل إليه الأمر فلا يهم إن كانوا أربعة او ثمانية ، إنما المهم إن الله اقامهم بعد أكثر من ثلاثمائة سنة ليرى من عاصرهم قدرة الله على بعث من في القبور ، ولتتناقل الأجيال خبر هذه المعجزة جيلا بعد جيل اخيرا اقول أنها رسالة لكل الدعاة المخلصين الذين تعرضوا لاغواء الملوك والسلاطين الطغاة  فثبتوا امام هذا الإغواء من اجل عقيدتهم ولكل الذين خرجوا من ديارهم وتنازلوا عن مناصبهم من اجل الحفاظ على دينهم قد يكون الطريق شاقا وصعبا لكن في نهايته ستكون الغلبة والنصر لكم  لأن الله معكم...