كيفية تقدير المسلم للمصلحة وطريقة التعامل معها   عدد القراء : 1529   .

قَالَ اللهُ تَعَالَى: (أَفَمَنْ كَانَ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ كَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ) أي لا يستوِي المسلمُ النبهُ الذي يزِنُ أعماله بمقياسِ الشرع فيقدِّرُ المصالحَ والمفاسد بمفهومها الشرعي، والغافلُ عما هو مطلوبٌ شرعاً وطرائق التعامل مع الأشياء.
ولقد خاطبَ اللهُ الرسولَ مُحَمَّداً فقالَ تعالى: ((وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ)) وقَالَ اللهُ تَعَالَى: ((فَقَدْ جَاءَكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ)). وعن عبدِالله بن عمرِو بن العاص (رضي الله عنه) قال: خَطَبَنَا رَسُولُ اللهِ (صلى الله عليه وسلم) قَالَ: ( إنَّهُ لَمْ يَكُنْ نَبيٌّ قَبْلِي إلاَّ كَانَ حَقّاً عَلَيْهِ أَنْ يَدُلَّ أُمَّتَهُ عَلَى مَا يَعْلَمُهُ خَيْراً لَهُمْ، وَيُنْذِرَهُمْ مَا يَعْلَمُهُ شَرّاً لَهُمْ).. فالهدَى والرحمةُ والخير الذي جاء به سيدنا الرسول مُحَمَّد(صلى الله عليه وسلم) أمورُ جلبِ المنافع ودرء المفاسدِ والتحذير من الفتنِ وتجنُّب الضررِ؛ وهو المصالح المعتبرة شرعاً؛ لأن المصالحَ تدورُ في قضايا جلبِ المنافع ودرء المضارِّ بحسب مقتضى الشريعة وحكمها.
وعلى هذا فإن تحديدُ الشيء من كونه مصلحةً أو ليس بمصلحة، أو يوصلُ إلى مصلحةٍ أو يجنِّبُ ضرراً أو يمنعُ ضرراً ؛ إنما يكون بحسبِ النظرة إلى الشيءِ من جهة إصدارِ الحكم عليه؛ فمثلاً التعاملُ مع الزراعة في مواسمِ زراعتها أو تلقيحِ الشجر، أو التعامل مع أسبابِ التجارة في الرِّبح والخسارة، وغيرها من أمرِ المعايش التي ترجع إلى التطوُّر المدني والوسائلِ المادية والأساليب المتعلقة بها، فإن تقريرَ المصلحة في هذا يرجعُ إلى العلماء في أمورِ المعايش كالخبراء في الزراعةِ أو التجارة أو الطبِّ أو الهندسة وغيرها من علوم المادةِ والإدارة العامة وتطورها الفني والتقني.
أما ما يتعلقُ بمقدار ما في الشيءِ من منفعة من حيث الثواب والعقابُ ودخول الجنة والخروج من النار، فإن مرجعَهُ للشرعِ وحده لا محالةَ، لأن تحديدَ هذا الشيء كونه مصلحةً أو كونه مفسدة من هذه الجهة إنما يكون للشرعِ وحده، لأنه هو الذي جاءَ بالمصلحة، وهو الذي يحدِّدُ هذه المصلحة للناس. لأن المرادَ من المصلحةِ في هذا المجال هو مصلحة الإنسانِ بوصفه إنساناً، لا بما يتعلَّق بتقييمِ الشيء بوصفه مادةً أو ما كان في حُكمها أو باعتباره أمراً من أمورِ المعايش.
ولقد فرَّق الإسلامُ بين مفهومِ المصلحتين، مصلحة ما هو من أمُورِ الدين والحياة بالوصف الإيماني، وما هو مصلحة من أمورِ المعايش والمكاسبِ المادية والفنية والخدمية بتطوُّر تقنياتها ووسائلها. عن موسى بن طلحة عن أبيه قال: مَرَرْتُ مَعَ رَسُولِ اللهِ  بقَوْمٍ عَلَى رُؤُوسِ النَّخْلِ، فَقَالَ:(مَا يَصْنَعُ هَؤُلاَءِ؟) فَقَالُوا: يُلَقِّحُونَهُ يَجْعَلُونَ الذَّكَرَ فِي الأُنْثَى فَتُلْقَحُ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ( مَا أَظُنُّ يُغْنِي ذلِكَ شَيْئاً) قَالَ: فَأُخْبرُوا بذلِكَ فَتَرَكُوهُ، فَأُخْبرَ رَسُولُ اللهِ (صلى الله عليه وسلم) بذلِكَ فَقَالَ: (إنْ كَانَ يَنْفَعُهُمْ ذلِكَ فَلْيَصْنَعُوهُ، فَإنِّي إنَّمَا ظَنَنْتُ ظَنّاً فَلاَ تُؤَاخِذُونِي بالظَّنِّ، وَلَكِنْ إذا حَدَّثْتُكُمْ عَنِ اللهِ شَيْئاً فَخُذُوا بهِ، فَإنِّي لاَ أَكْذِبُ عَلَى اللهِ عَزَّ وَجَلَّ).
وأمثلة هذه المواقف من رسول الله (صلى الله عليه وسلم) كثيرة، ومنها حديث أنه كادَ ينهى عن الغِيلَةِ، ومن ذلك استنبط العلماءُ أنه يجبُ امتثال ما قالَهُ الرسول (صلى الله عليه وسلم) شرعاً، دون ما ذكَرَهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ من أمورِ معايش الدنيا على سبيل الرأي).
على أن المصلحةَ يقرِّرُها العقلُ أو الشرع، فإذا كانت المصلحةُ من الأمورِ الفنيَّة أو الإدارية العامة أو الخبرةِ العلمية التجريبية في أمر معيَّن من أمورِ المعايش، فإن الأمرَ فيها متروكٌ إلى العقل لا محالة؛ لأن القول في مثلِ هذه الأمور على سبيلِ الرأي والظن، كالعلم في الفيزياءِ والرياضيات والهندسة والطب والتراتيب الإداريَّة الوظيفية وغيرها مما هو متعلقٌ بالوسائلِ المادية والأساليب الفنية، مَقروناً بالشيء من حيث ما هو، أو معالجته معالجة ماديَّة، فالأصلُ في التعامل مع الأشياء الإذنُ بالانتفاعِ منها والتصرُّف بها ما لم يَرِدْ دليلُ المنع، فإذا جاءَ دليل المنع وحَرَّمَ ذلك الشيء، فيترتب على فعلهِ الإثمُ لا محالة، وإذا لم يَرِدْ فإنه يبقى على الدليل العامِّ في التسخير؛ أي جواز الانتفاع منه.
أما تقريرُ المصلحة من ناحية شرعيةِ العمل، فهذه لا مجالَ للعقل فيها من ناحيتين: الأُولى: أن الشرعَ لا يتقرَّرُ عقلاً؛ ويجب ورودُ النص والنظر فيه من جهة المجتهد المؤهل علمياً لمعرفة الحكم الشرعيِّ في الواقع. والثانية: أن تقريرَ المصالح للإنسان بوصفهِ الإنساني، هو أمرٌ لا يتعلق بالشيء من حيث ما هو، بل يتعلقُ بالإنسان من حيث كيف يتعاملُ مع الشيءِ، وهذا التقديرُ لا يقدر عليه العقلُ؛ لأن العقلَ محدودٌ، فهو لا يستطيع أن يحيط بكُنْهِ الإنسانِ، وإذا تُرِكَ تقديرُ المصلحة إليه، استغلقَ على الناس معرفةُ المصلحة الحقيقيَّة لما سيَؤُول له اختلافُ وجهاتِ النظر في تقديرها، ولهذا احتاج الناسُ الرُّسُلَ لمعرفة الحق والعدل من عند اللهِ.
ثم إن تقريرَ ما هو مصلحة للإنسان بصفته الإنسانيَّة، هو قضاءٌ في علاقةِ الإنسان بغيره من بني الإنسان، وقد تختلفُ وجهات النظر في ذلك، فما هو حقٌّ لأحدهم قد يراهُ الآخر باطلاً، وما هو مصلحةٌ لمعيَّن قد يراه الآخر مفسدةً، فلا يستطيع العقلُ الفصلَ وحسم الأمرِ، والناس يختلفون في أحكامهم ولا يتَّفقون. ولكن الحكمَ عندما يرجعون فيه إلى اللهِ يستقرُّ الأمر، لإيمانِهم بالله أنه الحقُّ العدل، ثم إن الأمرَ متعلقُ الثواب والعقابِ عنده سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى، فهو عبادةٌ لا محالة، فيخرجُ من دائرة المنازعةِ العقلية إلى دائرة التسليمِ الشرعي لا محالة.
وعلى هذا كان من الخطأ الرجوعُ في أمورِ الشرع إلى العقل، بل لا بدَّ من الرجوع فيها إلى الوحي متمثلاً بالكتاب والسُّنة، فيقرِّرُ الشرعُ المصلحةَ بصفة حُكميَّةٍ ليعمل الإنسان بمطلوب الشرعِ فيها، وأما دورُ العقل في ذلك؛ أي حين الرجوع إلى الشرع هو أن يفهمَ واقع الشيء كما هو فَهماً تاماً، ثم يفهمَ النصَّ الشرعي الذي جاء في بيانِ حقِّ هذا الشيء، ثم يطبِّقُ دلالةَ النص على الواقعِ بصفته الحكمية الشرعيَّة؛ وبهذا تُعرف المصلحة وتعرف المفسدة. وهذه هي الطريقةُ التي يتعامل بها المسلمُ مع الأشياء في تقديرِ المفاسد والمصالح، فيعرف أنه حيثما يكون الشرعُ تكون المصلحة وليس العكس؛ لأن الشرعَ هو الذي يقرِّرُ مصالحَ العباد بوصفهم الإنسانيِّ، قَالَ اللهُ تَعَالَى: (وَاتَّبعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ).
   عضو مجلس شورى هيئة علماء المسلمين في العراق