إقامة العدل   عدد القراء : 1901   .

ان من اهم الوظائف التي ينبغي ان يؤديها من يتولى السلطة في الدولة الاسلامية هو تحقيق العدل بين الرعية ولاهمية هذه الوظيفة وضروريتها في بناء المجتمع الذي تتماسك اواصره وخاصة الآصرة التي تربط الراعي بالرعية، ولهذا نجد الكثير من النصوص الشرعية قرآنا وسنة تؤكد على هذا الامر ومن جوانب عدة منها:
1-انه واجب شرعي امر به الله عز وجل لقوله تعالى: (إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالأِحْسَانِ) يقول ابن عطية في تفسيره للعدل بانه كل مفروض من عقائد وشرائع من اداء الامانات وترك الظلم والانصاف واعطاء الحق وقد اكد الله سبحانه وتعالى على نبيه المصطفى (صلى الله عليه وسلم) القيام بهذا الفرض يقول الله سبحانه وتعالى: (فَلِذَلِكَ فَادْعُ وَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَقُلْ آمَنْتُ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنْ كِتَابٍ وَأُمِرْتُ لأعْدِلَ بَيْنَكُمُ اللَّهُ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ لا حُجَّةَ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ اللَّهُ يَجْمَعُ بَيْنَنَا وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ) قال قتادة: أمر نبي الله (صلى الله عليه وسلم) ان يعدل فعدل حتى مات (صلى الله عليه وسلم) والعدل ميزان الله عز وجل في الارض به يؤخذ للمظلوم من الظالم وللضعيف من الشديد وبالعدل يُرد المعتدي ويوبخ ، ويتأكد العدل في الاحكام لما لها من آثار في احقاق الحق وانصاف المظلوم فالعدل اساس الحكم وبه تحيا الامم وتزدهر ويسود النظام وينحسر الظلم والاستبداد يقول الله عز وجل: (إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعاً بَصِيراً). ويقول عليه الصلاة والسلام: (سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل الا ظله، إمام عادل وشاب نشأ في عبادة الله ورجل معلق قلبه بالمسجد اذا خرج منه حتى يعود اليه ورجلان تحابا في الله اجتمعا عليه وافترقا عليه، ورجل ذكر الله خالياً ففاضت عيناه، ورجل دعته امرأة ذات منصب وجمال فقال اني اخاف الله رب العالمين ورجل تصدق بصدقة فأخفاها حتى لاتعلم شماله ما تنفق يمينه) متفق عليه. وعلى عظم افعال هؤلاء الا ان اعظمها اثرا واشدها تفعا واخطرها مسؤولية عدل الامام ولذا بدأ النبي (صلى الله عليه وسلم) والزم به نفسه فقد اخرج البخاري في صحيحه عن عبد الله (رضي الله عنه) قال: (لما كان يوم حنين آثر النبي (صلى الله عليه وسلم) اناساً في القسمة. فأعطى الاقرع بن حابس مائة من الابل واعطى عيينة مثل ذلك واعطى اناساً من اشراف العرب، فآثر يومئذ في القسمة. قال رجل: والله ان هذه القسمة ماعدل فيها، وما اريد بها وجه الله، فقلت والله لاخبرنّ النبي (صلى الله عليه وسلم) فآتيه، فاخبرته، فقال فمن يعدل ان لم يعدل الله ورسوله؟ رحم الله موسى اوذي بأكثر من هذا فصبر وفي رواية عن ابي سعيد (رضي الله عنه) قال: بينما نحن عند رسول الله (صلى الله عليه وسلم) وهو يقسم قسماً اتاه ذو الخويصرة وهو رجل من بني تميم، فقال: يا رسول الله اعدل، فقال: (ويلك ومن يعدل اذا لم اعدل، قد خبت وخسرت ان اكن اعدل).
2- العدل يكون في كل ما يبدر من القائد من تصرفات من قول او فعل وحتى في الكتابة والاشارة يقول الله تعالى: (وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا) ويقول سبحانه: (وَلْيَكْتُبْ بَيْنَكُمْ كَاتِبٌ بِالْعَدْلِ وَلا يَأْبَ كَاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ اللَّهُ). فعلى القيادة ان تراعي ذلك وان تنتبه لما يصدر منها سواء اكان امر شفهياً ام امراً مكتوباً ام الاشارة في الحكم فكل ذلك يؤاخذ به ويحاسب عليه.
3- ان القيادة لاتقيم العدل حتى تتجرد في اقامته على جميع الرعية وخاصة الاقرباء فلا تكون القرابة او الصحبة سببا في الجور فلا يؤاخذهم ان ظلموا ولا يعدل مع خصومهم يقول الله سبحانه وتعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالاقْرَبِينَ إِنْ يَكُنْ غَنِيّاً أَوْ فَقِيراً فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا فَلا تَتَّبِعُوا الْهَوَى أَنْ تَعْدِلُوا وَإِنْ تَولْوُا أَوْ تُعْرِضُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيراً). ويقول سبحانه: (وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى وبِعَهْدِ اللَّهِ أَوْفُوا ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ). كما ان الخصومة والاختلاف مع الآخرين لاتكون سبباً في الجور عليهم وظلمهم وعدم العدل معهم يقول الله سبحانه وتعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ) يقول ابن كثير في تفسيره اي لايحملكم بغض قوم على ترك العدل فيهم بل استعملوا العدل مع كل انسان صديقاً او عدواً ولهذا قال: (اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى) اي عدلكم اقرب للتقوى من تركه بل ان الله سبحانه وتعالى حثّ القيادة الاسلامية على العدل والانصاف حتى مع غير المسلمين اذا لم يعادوا المسلمين في دينهم او لم يظطهدونهم ويخرجونهم من بلدانهم وقبل ذاك لم يقاتلوهم يقول الله تعالى: (لا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ).
اذاً على الراعي او القائد اذا اراد ان ينجو من تبعية الامارة وان يصون نفسه من سوء الحساب ان يقيم العدل الذي شرعه الله عز وجل - على جميع من يتعامل معهم يقول النبي (صلى الله عليه وسلم): (ان المقسطين عند الله يوم القيامة على منابر من نور عن يمين الرحمن وكلتا يديه يمين الذين يعدلون في حكمهم واهلهم وماولوا) رواه مسلم ، يقول الامام النووي في شرحه :ان هذا الفضل انما هو لمن عدل فيما تعد له من خلافة او امارة او قضاء او حُسبة او نظر على يتيم او صدقة او وقف وفيما يلزمه من حقوق اهله وعياله ونحو ذلك .4- العدل تقوى وصدقة: لو طالعنا الكثير من الآيات القرآنية التي فيها تشريع لأحد الاعمال التكليفية لوجدناها تعلل بتحقيق التقوى ومن ذلك إقامة العدل يقول الله تعالى: (اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى) وهو باب من ابواب الصدقة يقول النبي (صلى الله عليه وسلم): (كل سلامي من الناس عليه صدقة، كل يوم تطلع فيه الشمس يعدل بين الناس صدقة) متفق عليه ..
     عضو هيئة علماء المسلمين في العراق