| الاستغفار.. دراسة وتحليل   عدد القراء : 1747   . غَفَر في اللغة يعني سترَ: والغفور والغفار. جل شأنه وهما من أبنية المبالغة ومعناها الساتر لذنوب عباده المتجاوز عن خطاياهم وذنوبهم.. يقال: اللهم اغفر لي مغفرة وغَفْراً وغفراناً.. وأصل الغَفْر، التغطية والستر.. وفي الحديث الشريف: كان اذا خرج من الخلاء قال: غفرانك وهو مصدر منصوب باضمار الفعل اطلب. والغَفْر والمغفرة: التغطية على الذنوب والعفو عنها.. واستغفر الله ذنبه، على حذف الحرف تقديره (أستغفرَ الله من ذنبه)، طلب منه مغفرة. قال تعالى ((استغفر لهم او لا تستغفر لهم ان تستغفر لهم سبعين مرة فلن يغفر الله لهم، ذلك بأنهم كفروا بالله ورسوله والله لا يهدي القوم الفاسقين)). وأنشد سيبويه: استغفر الله ذنبا لست محصيه. رب العباد إليه القول والعمل. والاستغفار لا يأتي بعد المعاصي ولكنه يأتي بعد الطاعات، أما التوبة فهي التي تأتي بعد المعصية. بدليل ان رسول الله صلى الله عليه وسلم كان اول ما يقول بعد التسليم في الصلاة: استغفر الله وهذا الاستغفار هو استجلاب رصيد المغفرة بمعنى يا رب اغفر لي أي أسترني اذا عصيتك ولا تفضحني فبفضل الله كم من عاصِ عصى الله فلم يفضحه.. وكان الرسول صلى الله عليه وسلم يستغفر كثيرا بعد الطاعات ويتوب كثيرا بعد المعاصي وهذا ليعلمنا نحن. ومعلوم ان رسول الله صلى الله عليه وسلم معصوم عن المعاصي ولكن كان يتوب بعد ما يعاتبه الله جل وعلا وكما جاء في حادثة عبد الله بن ام مكتوم، قال تعالى ((عبس وتولى ان جاءه الاعمى)). بكى الرسول صلى الله عليه وسلم عندما عاتبه ربه وهذا ليس لذنب عمله فالعتاب من الله تعالى لرسوله هو عتاب المحب لحبيبه وليس عتاب ذنب وانما ليصحح الوضع وقال تعالى (وما يدريك لعله يزكى) فكأنه تعالى يقول لرسول الله صلى الله عليه وسلم هون عليك يا رسول الله ولا تتعب نفسك بالكفار، الذين يدعوهم الى الاسلام عندما جاءه عبد الله بن ام مكتوم.. وقد جاء في الاحاديث ان الرسول صلى الله عليه وسلم كان يستغفر ربه في اليوم اكثر من سبعين مرة وفي رواية مائة مرة وهذا كله ليكون لنا اسوة نقتدي به صلى الله عليه وسلم فاذا كان الرسول وهو الذي غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر. وعندما سأل الصحابة عن كثرة استغفاره قال لهم: أفلا اكون عبداً شكوراً.. هكذا الرسول صلى الله عليه وسلم فكيف بنا نحن؟ علينا أن نستغفر اكثر بكثير من الرسول صلى الله عليه وسلم، والمسألة ليست مسألة قول فقط، فهناك فرق بين الاستغفار والتوبة، يأتي الاستغفار أولا ثم صدق التوبة، والندم والاقلاع عن الذنب.. الانسان في رحلة حياته في الدنيا كأنه في طريقه الى الله تعالى يوم القيامة، وهذا الطريق محفوف بالمعاصي والسيئات ولا أحد منا لا يخطئ، ولا يجب الغرور بعدم المعاصي لأن هذا من معاصي القلب والغرور من آفات القلب. والمعاصي لا تكون بالجوارح فقط، وانما تكون ايضا في القلب فمعاصي القلب كثيرة منها الغل والحقد والحسد والكبر والغرور.. والتوبة لا تكون باللسان ولكنها بالقلب والفعل والندم كما جاء في الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم قال (الندم توبة) وقد علمنا الله تعالى انه اذا صادفتنا معصية خرجنا عن الطريق الحق ونحتاج الى توبة حتى نعود إليه.. ويجب على الانسان ان يستغفر الله كثيرا مع الطاعات بدليل قوله تعالى((اذا جاء نصر الله والفتح ورأيت الناس يدخلون في دين الله أفواجا فسبح بحمد ربك وأستغفره* انه كان توابا)). والرسول عليه الصلاة والسلام علمنا ان الاستغفار بعد الطاعات يكون جالبا لمغفرة الله تعالى والستر علينا حتى نتوب.. وفي قوله تعالى ((والذين لا يدعون مع الله الها اخر ولا يقتلون النفس التي حرم الله الا بالحق ولا يزنون ومن يفعل ذلك يلق أثاما* يضاعف له العذاب يوم القيامة ويخلد فيه مهانا* الا من تاب وامن وعمل صالحا فأولئك يبدل الله سيئاتهم حسنات وكان الله غفورا رحيما)). يستعرض الله جل وعلا ثلاث ذنوب كبيرة هي الشرك بالله والقتل والزنى.. قال تعالى ((أولئك يبدل الله سيئاتهم حسنات)).. السيئة التي تاب عنها العاصي عندما استغفر الله تعالى بعدها سترها الله تعالى وابقاها سيئة حتى تتحول الى حسنة.. فاذا كان الله تعالى قد محاها لمجرد الاستغفار. فما جدوى التوبة اذن؟ فالله تعالى ستر على معصية المستغفر ثم يتوب عليه ثم يبدل سيئاته حسنات.. ونذكر قوله تعالى الذي تكرر في سورة النساء مرتين ((ان الله لا يغفر ان يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء)). فحتى المشرك بالله والكافر يغفر الله لهم بمجرد توبتهم وهذه الاية دعوة للمشرك بالعودة الى الله تعالى وليست ضد المشركين كما يقول البعض والله تعالى اعلم.. والخلاصة ان الاستغفار هو استجلاب للمغفرة حتى تستر الذنوب الى ان تتم عملية التوبة فتقبل بفضل الله تعالى ثم تتحول السيئات الى حسنات بفضل الله تعالى.. ويجب علينا ان نتوب مهما كانت الذنوب صغيرة او كبيرة وعلينا ان نستغفر الله كثيرا فالذي يعوّد نفسه ولسانه على الاستغفار لا يمكن ان يعصي الله تعالى.. رب اغفر وارحم وأنت خير الراحمين. |