| لنقرأ التأريخ/عبد الحكيم حامد   عدد القراء : 276   .
الحلقة الرابعة رجال صدقوا
حين تناولت في الحلقة السابقة العلاقة بين قبائل العرب قبل الاسلام وبعده وتلك المودة التي زادها الاسلام قوة ورسوخا لم يغب عن بالي ان اعرج على واقع هذه العلاقة بين ابناء العراق وخاصة في ثورة العشرين. لقد ارسل قادة الثورة في الفرات الاوسط الرسائل الى اخوانهم في منطقة اعالي الفرات او لواء الدليم كما يسمى آنذاك. ومن الذين ارسلت اليهم الرسائل التي تدعوهم الى القيام بواجبهم الوطني في مقاومة المحتل الانكليزي كان الشيخ الضاري ويذكر الشيخ سليمان الضاري ان والده حين وصلت اليه فتوى الشيخ الشيرازي في وجوب مقاومة المحتل انه وضعها على رأسه قائلاً: على الرأس والعين. ولقد فطن الكولونيل لجمن لذلك وعرف ان الشيخ ضاري عنيد فقرر اقصاءه من الساحة بأي طريقة لكي لا يستجيب لداعي الجهاد. حاول لجمن ان يقصي الشيخ ضاري وشيوخ منطقة الدليم وقبائلهم عن ساحة المواجهة من خلال زرع الفتنة الطائفية فدعا الى اجتماع مع شيوخ القبائل واصر على حضور الشيخ ضاري هذا الاجتماع وفي ذلك الاجتماع انبرى لجمن يحدث الشيوخ وبتساؤل خبيث اننا نريد اعطاء الحكم للعراقيين ولكننا في حيرة من امرنا هل نعطيه للشيعة ام للسنة؟. لكن الشيخ ضاري لم يفوت الفرصة في الرد على ذلك التساؤل الخبيث موجها خطابه الى لجمن قائلاً: دعونا نقرر من يحكم العراق فنحن لدينا علماء دين نحن نتبعهم وهم يقررون ذلك فلا شيعة ولا سنة انما يحكم العراق ابناؤه المخلصون. بعد هذا الاجتماع ايقن لجمن ان التعامل مع الشيخ ضاري لا بد ان يكون بطريقة اخرى فقرر اغتياله. لذلك دعاه الى خان النقطة وقد دبر مكيدة لقتله لكن شاء الله ان يجعل تدميره في تدبيره فيقتل ذلك اليوم لكنه قبل ان يلاقي حتفه هدد الشيخ ضاري وتوعده قائلاً: سأقتلك كما قتلت(صبار الكعود) شيخ عشيرة (البو نمر) اكبر قبائل الدليم وتمتاز هذه القبيلة بشدة المراس في محاربة المستعمر وقوة الشكيمة. وقبل ان يلفظ لجمن انفاسه الاخيرة جرد الشيخ ضاري سيفه وخاطبه وهو يهوي عليه بالسيف(يا لثارات صبار الكعود) اي اني اثأر لصبار الكعود وهذه من اللفتات الرائعة للشيخ الضاري في التعامل مع عدو خبيث وتدلل بوضوح على مدى العلاقة القوية والمودة بين شيوخ العشائر في عراقنا الحبيب فهو في ذلك الموقف الصعب حيث صار بمواجهة بريطانيا العظمى بعد ان قتل ضابطا من خيرة ضباطها الكبار وقد صار مصيره ومصير قبيلته في مهب الريح التي لاتبقي ولا تذر. لقد اوجع الشيخ ضاري قلب لجمن قبل ان يتوقف عن الخفقان والى الابد في رده ذاك ورد الشماتة بقتل الشيخ صبار الگعود وبشماتة اقسى قبل ان يجهز عليه بالسيف. بعد هذه الحادثة الفاصلة في تأريخ قبيلة زوبع وشيخها خرج الشيخ ضاري لكي يلحق باخوانه في الفرات الاوسط وعند وصوله الى الحلة استقبله علماء الدين وشيوخ العشائر والوجهاء استقبالا حافلا وقد بادر اليه الشيخ فرزدق العواد شيخ قبيلة العوابد وهي من القبائل الكبيرة في منطقة الفرات الاوسط قائلا: يا ضاري اعطني يدك اقبلها فاني حلفت بالطلاق ان اقبل اليد التي قتلت لجمن لكن الشيخ ضاري رفض ذلك اشد الرفض وعندها تدخل الحاضرون ورجوا الشيخ ضاري ان يدع الشيخ فرزدق ان يبرّ بوعده وان لا يكون سببا في طلاق زوجته عند ذلك رضخ الشيخ ضاري مكرها لطلب الحاضرين. ان هذه الاشراقات في ثورة العشرين كثيرة بل اكثر من ان تحصى وهي تحمل دلالات كبيرة وواضحة وصادقة عن عمق العلاقة الودية بين القبائل العربية وبين ابناء الوطن الواحد في عراقنا الابي والعصي ان شاء الله على كل الدسائس التي حيكت ودبرت بليل للنيل من وحدته وعزته ومن كرامة اهله الاباة. |