وقفات على قصص المصحف/محمد الحسني   عدد القراء : 770   .


قصة أصحاب الكهف


مكان الكهف وزمان أصحابه

أما عن مكانه فقيل بالشام وقيل ببلاد الروم وأغرب بعضهم في بيان مكان الكهف وزمانه حتى قالوا بأن الكهف المشار إليه كان في بلاد الأندلس، قال أبو حيان في البحر المحيط: (وبالأندلس في جهة غرناطة بقرب قرية تسمى لوشة كهف فيه موتى ومعهم كلب، وأكثرهم قد تجرد لحمه وبعضهم متماسك، وقد مضت القرون السالفة ولم نجد من علم شأنهم أثار. ويزعم ناس أنهم أصحاب الكهف، دخلت إليهم ورأيتهم سنة أربع وخمسمائة وهم بهذه الحالة، وعليهم مسجد، وقريب منهم بناء رومي يسمى الرقيم، كأنه قصر مخلق قد بقي بعض جدرانه، وهو في فلاة من الأرض خربة، بأعلى غرناطة مما يلي القبلة آثار مدينة قديمة رومية يقال لها مدينة (دقيانوس)، وجدنا في آثارها غرائب من قبور ونحوها، ويترجح كون اهل الكهف بالأندلس لكثرة دين النصارى بها ولأن الإخبار بما هو في أقصى مكان عن أرض الحجاز أبعد أن لا يعرفه أحد إلا بوحي من الله.

وما استشهد به الإمام ابو حيان لايعتد به فزعم النصارى ليس يحجة فقد يوهمون الناس بأن هذه المغارة أو تلك هي الكهف حتى يتردد الناس عليها ويزورونها فينتفع بزيارتهم أصحاب المكان ويضفى عليه قداسة تجعل له قيمة ومنزلة تعود بالدراهم والدنانير على من روج لهذا الكهف هو المذكور في القرآن فللنصارى تواجد في بلاد أخرى عديدة وأما استناده إلى بعد كهف الأندلس عن الجزيرة: فلقد غاب عنه البعد الزماني للقصة فلا عبرة ببعد هذا الكهف عن مهبط الوحي لأن العبرة بالبعد الزماني الذي جعل هذه القصة مطوية منسية حتى عن كثير من النصارى فضلا عن اليهود.

وللإمام القرطبي رد على هذا الزعم حيث قال في تفسيره: ما ذكر من رؤيته لهم بالأندلس فإنما هم غيرهم، لأن الله تعالى يقول في حق أصحاب الكهف: (لَوِ اطَّلَعْتَ عَلَيْهِمْ لَوَلَّيْتَ مِنْهُمْ فِرَاراً وَلَمُلِئْتَ مِنْهُمْ رُعْباً) وقال ابن عباس لمعاوية حينما كانا في غزوة ببلاد الروم لما أراد رؤيتهم: قد منع الله من هو خير منك عن ذلك وكما اختلفوا في مكانهم فلقد اختلفوا في زمانهم حتى زعم بعضهم انهم كانوا قبل عيسى وأغرب بعضهم فزعم أنهم كانوا قبل موسى لأن اليهود كانوا على معرفة بهم لكن الذي أراه هو البعد عن التفصيلات التي لم ترد في القرآن والسنة ولو كان لمعرفتها عظيم فائدة لوردت وإنما العبرة بما في القصة من لم ترد في القرآن والسنة ولو كان لمعرفتها عظيم فائدة لوردت وإنما العبرة بما في القصة من مقاصد ومعان ودروس وعظات، ولقد نهانا الله جل وعلا عن الاستطراد الى ما لم يرد فيه نص صحيح في شأن هذه القصة كما نهانا عن الرجوع إلى مسلمة أهل الكتاب لنستأنس بما لديهم في شأنها قال تعالى: (مِرَاء ظَاهِراً وَلَا تَسْتَفْتِ فِيهِم مِّنْهُمْ أَحَداً).

والذي يفيده السياق أنهم عاشوا في زمان ملك كافر مشرك ظالم غاشم يحمل الناس على الكفر ويستعين بمن معه من الكهنة والسدنة الذين يرسخون مفاهيم الكفر في الناس ويصرفون أنظار الناس إلى الخرافات والأساطير والأعياد والملاهي والطقوس التي تربط الناس بآلهتهم التي عبدوها من دون الله، ولما شرح الله صدور أولئلك الفتية وكانوا من علية القوم وتآلفت قلوبهم وتعارفت أرواحهم واجتمعت كلمتهم على رفض ما عليه قومهم من ضلال، بل والإنكار عليهم ودعوتهم إلى الحق فرفع أمرهم الى الملك الظالم ولم تجد معهم الوعود والإغراءات فتوعدهم وهددهم إن لم يرجعوا الى دينه أمهلهم وقبل انقضاء المهلة لم يجدوا بداً من الفرار بدينهم فخرجوا تحت جنح الظلام وساروا حتى وصلوا الى كهف في جبل رأوا ان يناموا فيه على ان يواصلوا بعد ذلك سيرهم.

صلة القصة بمحور السوره:

1-لما بين الله-عز وجل- أن ما على الأرض من زينة إنما هو للابتلاء والامتحان الذي يبرز معادن الناس ويجلي عن قصدهم همتهم نحو العمل الصالح قال تعالى: (إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَّهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلاًوَإِنَّا لَجَاعِلُونَ مَا عَلَيْهَا صَعِيداً جُرُزاً) لما بين الله تعالى ذلك ضرب أمثلة تكشف عن موقف الناس من زينة الدنيا، فبدأ بقصة أصحاب الكهف الذين لم يغتروا بزينة الشباب وزينة الأهل والعشيرة وزينة الأبهة والسلطان بل تركوا كل هذه الملذات وأعرضوا عن جميع الإغراءات وهجروا الإهل والخلان في سبيل الله جل في علاه.

ثم جاءت قصة صاحب الجنتين الذي غره المال ولم يحمد الله عليه بل ازداد بطراً وأشراً، في حين نجح صاحبه في الابتلاء حيث عرف حقيقة هذه الدنيا الفانية، فكان له ناصحاً أميناً وواعظاً بليغاً ، ثم يأتي التعقيب على هذه القصة مبيناً حقيقة الدنيا الفانية وما فيها من زينة تسلب القلوب وتأسر النفوس وتصرفها عن غاية وجودها وعاقبة أمرها واذا كان هناك من يغتر بالمال أو بالولد فإن هناك من يغتر بالوعود الكاذبة والأماني الباطلة التي يمني بها إبليس اللعين هذا العدو القديم الذي أظهر عداوته قديماً يوم أن امتنع عن السجود لأدم قال تعالى: (وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَاء مِن دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلاً) ومن أشد أسلحة إبليس اللعين سلاح التزيين فكم من معصية زينها، وكم من بدعة حسنها وكم من طاعة صرف الناس عنها وكم من ضلالة زخرفها ، وكم من توبة سوفها ومن الناس من يغتر بنعمة العلم بل وربما ظن أنه أعلم الناس وهنا تأتي قصة موسى والخضر عليهما السلام لتبين أن العالم مهما بلغ من العلم فإن هناك من هو أعلم منه ومهما أوتي من العلم فما قيمته وما قدره أمام علم علام الغيوب!.

ثم يضرب الله مثلا لمن لم يغتر بالقوة والسلطان العبد الصالح ذو القرنين الذي وظف ملكه وسلطانه في نشر الدين ورفع الظلم عن المظلومين ورد الطغاة البالغين وكان كلما جدد الله له نعمة جدد لها شكراً وردها إلى المنعم عز وجل.

من هنا تتجلى لنا الصلة بين قصة أصحاب الكهف وبين القصص الأخرى التي انتظمتها هذه السورة الكريمة حيث تدور حول الابتلاء بزينة الدنيا وموقف الناس منه.

وإذا قد بينت لنا السورة حقيقة الزينة الفانية التي جعلها الله امتحاناً وابتلاء ليبلونا أينا احسن وما يقرب إليه من الباقيات الصالحات، قال تعالى:( إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلاًأُوْلَئِكَ لَهُمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهِمُ الْأَنْهَارُ يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِن ذَهَبٍ وَيَلْبَسُونَ ثِيَاباً خُضْراً مِّن سُندُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ مُّتَّكِئِينَ فِيهَا عَلَى الْأَرَائِكِ نِعْمَ الثَّوَابُ وَحَسُنَتْ مُرْتَفَقاً ) وقال سبحانة: (الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِندَ رَبِّكَ ثَوَاباً وَخَيْرٌ أَمَلاً)وقال جل وعلا: (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلاخَالِدِينَ فِيهَا لَا يَبْغُونَ عَنْهَا حِوَلاًً).