قيادة الرسول (صلى الله عليه وسلم)السياسية والعسكرية/إعداد/ الشيخ محمد النعيمي   عدد القراء : 1168   .


دور النضر بن الحارث واجتماع قريش مع اليهود وتلاوة القرآن في مكة

 

في هذه الحلقة سنتكلم عن النضر بن الحارث وكان من القادة السياسيين الكبار لقريش واجتماعه وارساله الى اليهود ليجتمع بهم في هذا الامر.

نصيحة النضر لقريش بالتدبر فيما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم

بعد ان قال لهم ابو جهل ما قال في الاجتماع قام النضر ابن الحارث فقال: النضر بن الحارث يا معشر قريش انه والله قد نزل بكم امر ما اتيم له بحيلة بعد فقد كان محمد فيكم غلاما حدثا ارضاكم فيكم، واصدقكم حديثا واعظمكم امانة حتى اذا رأيتم في صدغيه الشيب وجاءكم بما جاءكم به قلتم ساحر لا والله ما هو بساحر لقد رأينا السحرة ونفثهم وعقدهم(وهي التي يعقدها الساحر في الخيط ينفخ فيها بشيء يقوله بلا ريق او معه).

وقلتم كاهن لا والله ماهو بكاهن قد رأينا الكهنة وتخالجهم وسمعنا سجعهم وقلتم شاعر لا والله ماهو بشاعر قد رأينا الشعر وسمعنا اصنافه كلها: هزجه ورجزه وقلتم مجنون لا والله ما هو بمجنون لقد رأينا الجنون فما هو بخنقه ولا وسوسته ولا تخليطه يا معشر قريش فانظروا في شأنكم فانه والله لقد نزل بكم امر عظيم.

حقد النضرعلى رسول الله صلى الله عليه وسلم

وكان النضر بن الحارث من شياطين قريش وممن كان يؤذي رسول الله صلى الله عليه وسلم وينصب له العدواة وكان قد قدم الحيرة وتعلم بها احاديث ملوك الفرس واحاديث رستم فكان اذا جلس رسول الله صلى الله عليه وسلم مجلسا فذكر فيه الله وحذر قومه ما اصاب من قبلهم من الامم من نقمة الله خلفه في مجلسه اذا قام ثم قال: انا والله يا معشر قريش احسن حديثا منه فهلم الي فانا احدثكم احسن من حديثه ثم يحدثهم عن ملوك فارس ورستم ثم يقول : بماذا محمد احسن حديثا مني؟

قال ابن هشام رحمه الله تعالى:وهو الذي قال فيما بلغني سأنزل مثل ما انزل الله.

قال ابن اسحاق رحمه الله تعالى: وكان ابن عباس رضي الله عنهما يقول فيما بلغني: نزل في(النضر)ثماني آيات من القرآن منها قول الله عز وجل(إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا قَالَ أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ) وكل ما ذكر فيه من الاساطير في القرآن.

اجتماع النضر مع احبار اليهود:

فلما قال لهم ذلك النضر بن الحارث بعثوه وبعثوا معه عقبة بن ابي معيط الى احبار اليهود بالمدينة وقالوا لهما اسلوهم عن محمد وصفوا لهم صفته واخبروهم بقوله فانهم اهل الكتاب الاول وعندهم علم ليس عندنا من علم الانبياء فخرجا حتى قدما المدينة فالتقوا مع احبار اليهود وبدأ الاجتماع معهم فسألا احبار اليهود عن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) ووصفوا واخبروهم ببعض قوله: وقالا لهم انكم اهل التوراة وقد جئناكم لتخبرونا عن صاحبنا هذا فقالت لهما احبار اليهود سلوه ثلاثاً نأمركم بهن فان اخبركم بهن فهو نبي مرسل وان لم يفعل فالرجل متقول(مدعي) فأروا فيه رأيكم.

السؤال الاول سلوه عن فتية ذهبوا في الدهر الاول ما كان امرهم؟. فانه قد كان لهم حديث عجيب.

السؤال الثاني: وسلوه عن رجل طواف قد بلغ مشارق الارض ومغاربها ما كان نبؤه؟

السؤال الثالث: سلوه عن الروح ما هي؟ فاذا اخبركم بذلك فاتبعوه فانه نبي وان لم يفعل فهو رجل متقول فاصنعوا في امره ما بدا لكم. وانتهى الاجتماع فاقبل النضر بن الحارث وعقبة بن ابي معيط  حتى قدما مكة على قريش فقالا يا معشر قريش قد جئناكم بفصل ما بينكم وبين محمد قد اخبرنا احبار اليهود ان نسأله عن اشياء امرونا بها فان اخبركم عنها فهو نبي وان لم يفعل فالرجل متقول فأروا فيه رأيكم(اي اصنعوا ما شئتم).

سؤال قريش لرسول الله صلى الله عليه وسلم واجابته لهم

وبعد ان عاد النضر بن الحارث وعقبة بن ابي معيط من المدينة حاملين معهما فكرة اليهود في اختبارهم على انه رسول الله ام انه متقول ذهب وفد من قريش الى رسول الله صلى الله عليه وسلم فواجهوه بهذه الاسئلة فاجابهم بعد ايام فما زاد ذلك  قريش الا حقدا وحسداً.

استكبار قريش عن ان يؤمنوا بالرسول صلى الله عليه وسلم

فلما جاءهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بما عرفوا من الحق وعرفوا صدقه فيما حدث وموقع نبوته فيما جاءهم به من علم الغيوب حين سألوه حال الحسد منهم له بينهم وبين اتباعه وتصديقه فعتوا على الله وتركوا امره عيانا ولجّوا فيما هم عليه من الكفر فقال قائلهم: لاتسمعوا لهذا القرآن والغوا فيه لعلكم تغلبون اي اجعلوه لغوا وباطلاً واتخذوه هزوا لعلكم تغلبونه بذلك فانكم ان ناظرتموه او خاصمتموه غلبكم.

وجعلوا اذا جهر الرسول صلى الله عليه وسلم بالقرآن وهو يصلي يتفرقون عنه ويأبون ان يستمعوا له فكان الرجل منهم اذا اراد ان يستمع من الرسول صلى الله عليه وسلم بعض ما يتلو من القرآن وهو يصلي اتى سراً واستمع بدون علم قومه خوفا منهم فان رأى انهم قد عرفوا انه يستمع منه ذهب خشية اذاهم فلم يستمع وان خفض الرسول صلى الله عليه وسلم صوته فظن الذي يستمع انهم لا يستمعون شيئاً من قراءته وسمع هو شيئاً دونهم انصت له ليستمع منه.

اول من جهر بالقرآن

قال ابن اسحاق: حدثني يحيى بن عروة بن الزبير عن ابيه قال كان اول من جهر بالقرآن بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال اجتمع يوما اصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا والله ما سمعت قريش هذا القرآن يجهر لها به قط فمن رجل يسمعموه؟ فقال عبد الله بن مسعود انا قالوا: انا نخشاهم عليك انما نريد رجلا له عشيرة يمنعونه من القوم ان ارادوه قال دعوني فان الله سيمنعني قال فغدا ابن مسعود حتى اتى المقام في الضحى وقريش في انديتها حتى قام عند المقام ثم قرأ(بسم الله الرحمن الرحيم) رافعا بها صوته(الرحمن علم القرآن)وواصل القراءة قال فتأملوه فجعلوا يقولون ماذا قال ابن ام عبد؟ ثم قالوا انه ليتلو بعض ما جاء به محمد فقاموا اليه فجعلوا يضربونه في وجهه وجعل يقرأ حتى بلغ منها ما شاء الله ان يبلغ ثم انصرف الى اصحابه وقد اثروا في وجهه فقالوا له هذا الذي خشينا عليك فقال: ما كان اعداء الله اهون عليّ منهم الآن ولئن شئتم لاغادينهم بمثلها غدا قالوا لا حسبك قد اسمعتهم ما يكرهون.

استماع قريش الى قراءة النبي صلى الله عليه وسلم

قال ابن اسحاق حدثني محمد بن مسلم بن شهاب الزهري انه حدث ان ابا سفيان بن حرب وابا جهل بن هشام والاخنس بن شريف بن عمرو بن وهب الثقفي حليف بني زهرة خرجوا ليلة ليستمعوا من رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يصلي من الليل في بيته فاخذ كل رجل منهم مجلسا يستمع فيه وكل لايعلم بمكان صاحبه فباتوا يستمعون له حتى اذا طلع الفجر تفرقوا فجمعهم الطريق فتلاوموا وقال بعضهم لبعض: لا تعودوا فلو رآكم بعض سفهائكم لأوقعتم في نفسه شيئا ثم انصرفوا حتى اذا كانت الليلة الثانية عاد كل رجل منهم الى مجلسه فباتوا يستمعون اليه وفي الليلة الثالة عادوا ليستمعوا فلما التقوا قال بعضهم لبعض لا نبرح حتى نتعاهد الا نعود فتعاهدوا على ذلك واحدث ذلك في نفوسهم اثرا كبيرا لما استمعوا لحلاوة القرآن وبلاغته ولكن الكبر والعنت اثار حقدهم والضغينة في قلوبهم بعد ان بدأوا يستفهمون فيما بينهم سرا عن هذا الكلام العظيم فلما اصبح الاخنس بن شريف اخذ عصاه ثم خرج حتى اتى ابا سفيان في بيته فقال: يا ابا حنظلة اخبرني عن رأيك فيما سمعت من محمد؟ فقال: يا ابا ثعلبة والله لقد سمعت اشياء اعرفها واعرف ما يراد بها وسمعت اشياء ما عرفت معناها ولا ما يراد بها قال الاخنس وانا الذي حلفت به كذلك.

ثم ذهب الاخنس الى ابي جهل بعد خروجه من بيت ابي سفيان فقال يا ابا الحكم ما رأيك فيما سمعت من محمد؟ فقال ماذا سمعت تنازعنا نحن وبنو عبد مناف الشرف اطعموا فاطعمنا حملوا فحلمنا اعطوا فاعطينا حتى اذا تساويناعلى الركب كنا كفرسي الرهان قالوا منا نبي يأتيه الوحي من السماء فمتى ندرك مثل هذه والله لا نؤمن به ابدا ولا نصدقه فتركه الاخنس.

عدوان المشركين على المستضعفين ممن اسلم بالاذى والفتنة

قال ابن اسحاق ثم انهم عدوا على من اسلم واتبع رسول الله صلى الله عليه وسلم من اصحابه فوثبت كل قبيلة على من فيها من المسلمين فجعلوا يحبسونهم ويعذبونهم بالضرب والجوع والعطش وبرمضاء مكة اذ اشتد الحر يفتنونهم عن دينهم فمنهم من يفتن من شدة البلاء الذي يصيبه ومنهم من يصبر لهم ويعصمه الله منهم، حتى انتهى الامر لما راى رسول الله صلى الله عليه وسلم(القائد الحكيم)ان اصحابه اصابهم من البلاء والفتنة ما اصابهم ورسول الله صلى الله عليه وسلم في امان لدفاع عمه ابي طالب عنه امرهم بالهجرة الى الحبشة وهذا موضوع حلقتنا القادمة ان شاء الله وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه اجمعين.