| وقفات على قصص المصحف/محمد الحسني   عدد القراء : 280   .
قصة أصحاب الكهف
الفتية في رحاب الايمان (نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ نَبَأَهُم بِالْحَقِّ) تفصيل بعد اجمال وتقرير بعد بيان، فالقرآن الكريم كتاب الحق نزل على قلب رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي لا ينطق الا بالحق وقصصه الحق وكل ما فيه من حكم واحكام وعبر وعظات ووعد ووعيد هو الحق من عند الله والذي يقص نبأهم هو العليم بحالهم المدبر لشؤونهم وفي هذا تشويق للقارئ حين يسمعها من المولى عز وجل وفي التعبير بالنبأ اشارة الى ان قصتهم لها شأن عظيم وخطب جليل(إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ) وفي التعبير بالفتوة بيان لحداثة سنهم وقوة ارادتهم وحماسهم للحق. فائدة: في قوله تعالى:( إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدًى) اشارة الى حداثة سنهم وفتوتهم وطاعتهم لربهم في هذه المرحلة المهمة في حياة الانسان مرحلة الشباب وهي مرحلة البذل والعطاء ومرحلة القوة والحماس ولقد عنى الاسلام باعداد الشباب وتوجيههم ورعايتهم فهم عماد الامة واساس نهضتها ونبراس حضارتها ومنطلق تقدمها وتحررها ومبعث وصناع امجادها. ان مرحلة الشباب مرحلة حماسة في حياة الانسان لها اهميتها ولها خطرها وحين ينشأ الشاب في رحاب القرآن ويحيا تحت ظلال الايمان فان جزاءه يوم القيامة ان ينعم بظل الرحمن قال صلى الله عليه وسلم(سبعة يظلهم الله بظله يوم لا ظل الا ظله امام عادل، وشاب نشأ في طاعة الله....) وهنيئاً لشاب حافظ على شبابه وصرفه في طاعة ربه سيما في مجتمعات شاعت فيها الفتن، فتن الشبهات وفتن الشهوات فترى الأديان المنحرفة والرايات الزائفة وتجد من يشوه الحقائق ويزخرف الأباطيل وينشر الفساد والانحلال وعجبا لمن يحفظ شبابه في هذا التيه ويصارع امواج الفتن ويجابه اعاصير المحن فيصمد ويثبت ويعبر هذه المرحلة الحاسمة سالما معافى؟(وَزِدْنَاهُمْ هُدًى) اي: بصرناهم بمقتضيات الايمان واركانه وبراهينه فازدادوا ايمانا على ايمانهم وهدى على هداهم مصداقا لقول الحق جل وعلا(وَيَزِيدُ اللَّهُ الَّذِينَ اهْتَدَوْا هُدًى وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِندَ رَبِّكَ ثَوَاباً وَخَيْرٌ مَّرَدّاً) وقوله تعالى:(وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْواهُمْ) فكما ان الايمان يزيد وينقص فكذلك الهداية(وَرَبَطْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ إِذْ قَامُوا فَقَالُوا رَبُّنَا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَن نَّدْعُوَ مِن دُونِهِ إِلَهاً لَقَدْ قُلْنَا إِذاً شَطَطاً)،(وَرَبَطْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ)اي:شددنا عليها وثبتناها ليواجهوا رياح الفتن واعاصير المحن ويجابهوا موجات الكفر العارمة وتياراته الجارفة التي تولى كبرها وحمل لواءها الملك وبطانته ودعاة الكفر وسدنته فالهم الله عز وجل اولئك الفتية بالصبر والثبات في مجابتهم لتحالف الشر قال صاحب روح البيان:(وَرَبَطْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ) اي: قويناهم حتى اقتحموا مضايق الصبر على هجر الاهل والاوطان والنعيم والاخوان واجترأوا على الصدع بالحق من غير خوف ولا حذر والرد على دقيانوس تقرير العقيدة الصحيحة(إِذْ قَامُوا فَقَالُوا رَبُّنَا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ) قاموا بين يدي الملك الجبار او قاموا بمعنى اجتمعوا او انبعثوا وعزموا على المضي قدما في طريق الحق قال الامام القرطبي رحمه الله قوله: تعالى:(إِذْ قَامُوا فَقَالُوا)يحتمل ثلاثة معان: أحدها: ان يكون هذا وصف مقامهم بين يدي الملك الكافر كما تقدم وهو مقام يحتاج الى الربط على القلب حيث خالفوا دينه ورفضوا في ذات الله هيبته. والمعنى الثاني فيما قيل: انهم اولاد عظماء تلك المدينة فخرجوا واجتمعوا وراء تلك المدينة من غير ميعاد فقال اسنّهم: اني اجد في نفسي ان ربي رب السماوات والارض فقالوا ونحن كذلك نجد في انفسنا فقاموا جميعا فقالوا:( رَبُّنَا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَن نَّدْعُوَ مِن دُونِهِ إِلَهاً لَقَدْ قُلْنَا إِذاً شَطَطاً)اي لئن دعونا الها غيره فقد قلنا اذا جورا ومحالا. والمعنى الثالث: ان يعبر بالقيام عن انبعاثهم بالعزم الى الهروب الى الله تعالى ومنابذة الناس كما تقول: قام فلان الى امر كذا اذا عزم عليه بغاية الجد( فقالوا رَبُّنَا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ):لقد اجتمعت كلمتهم وتوحدت دعوتهم فقالوا جميعا بالسنتهم وقلوبهم(رَبُّنَا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ) فهو تعالى المتفرد بالربوبية فلا رب غيره وهذا دليل على تفرده عز وجل بالالوهية فلا معبود سواه والعجيب ان المشركين بالله تعالى يقرون له بالربوبية ومع ذلك يشركون به آلهة اخرى(لَن نَّدْعُوَ مِن دُونِهِ إِلَهاً)كما يزعم المشركون حيث اشركوا بالله غيره في الالوهية مع اقرارهم بان الخالق الرزاق هو الله لذلك جاء التعبير بـ(الهاً)،( لَقَدْ قُلْنَا إِذاً شَطَطاً)ان نحن قلنا بمقالتهم الباطلة فقد انحرفنا عن المنهج القويم ونكبنا عن الصراط المستقيم والشطط هو مجاوزة الحد والانحراف عن الجادة والبعد عن الحق ومنه شطت الدار اذا بعدت بيان بطلان عقائد الشرط(هَؤُلَاء قَوْمُنَا اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ آلِهَةً لَّوْلَا يَأْتُونَ عَلَيْهِم بِسُلْطَانٍ بَيِّنٍ فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِباً)بعد ان اعلنوا عقيدة التوحيد اعلنوا البراء من عقائد الشرك فانكروا ما كان عليه قومهم من ضلال حيث ادعوا لله شركاء(لَّوْلَا يَأْتُونَ عَلَيْهِم بِسُلْطَانٍ بَيِّنٍ)فالدعاوى لابد لها من بينات وينبغي على كل من جاء برأي او قول لا أصل ولا برهان له به ان يأتي بالدليل اثباتا لما ادعاه والا فهو مدع( فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِباً)اي: ليس هناك اظلم ممن افترى على الله عز وجل وهو الذي خلقه ورزقه فالشرك بالله اعظم واشنع انواع الظلم قال الله تعالى:( إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ). وروى البخاري في صحيحه عن ابن عباس رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:(قال الله تعالى:(كذبني ابن آدم ولم يكن له ذلك وشتمني ولم يكن له ذلك فاما تكذيبه اياي فزعم اني لا اقدر ان أعيده كما كان واما شتمه فقوله لي ولد فسبحاني ان اتخذ صاحبة او ولداً). |