لنقرأ التأريخ/عبد الحكيم حامد   عدد القراء : 291   .

 

رجال صدقوا

الحلقة الثالثة


حين عقد خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم الخليفة الراشد الاول ابو بكر الصديق رضي الله عنه الراية لسيف الله خالد بن الوليد رضي الله عنه كانت الامة تكاد تنزلق الى هاوية الردى بعد ان ارتد العرب عن الاسلام بل كان مصيرها في مهب الريح في الحسابات النظرية وقد وصفت ام المؤمنين عائشة رضي الله عنها تلك الحالة في وصف بقولها: لما توفي النبي صلى الله عليه وسلم ارتد العرب واشرأبت اليهودية والنصرانية ونجم النفاق وصار المسلمون كالغنم المطيرة في الليلة الشاتية.

خرج خالد بجيش يضم كبار الصحابة لحرب المرتدين وقد اتعب خالد جيشه لكثرة غاراته ومواجهاته مع المرتدين ولعلو عزيمته وشدة بأسه كان لا بد ان يتعب اي جيش يقوده حتى وان كانوا صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يغب عن ادراكه حال جيشه سيما وانه كان يواصل الليل بالنهار في مسير ومعارك يضاف اليها الجوع والعطش نتيجة قلة التموين خاصة وان قاعدة هذا الجيش صارت بعيدة عنه وهي المدينة المنورة.

هنا لا بد ان يداعب القائد الحكيم مشاعر جنوده المتعبين بمفاجأة سارة تجدد العزم والقوة فيهم لذلك سارع خالد يبشرجنوده بالوصول الى قاعدة من قواعد الاسلام وحصن من حصونه التي لم تدهمها رياح الردة بشرهم قائدهم ولكن بطريقة تدل على تلك الروح القيادية والعقلية الفذة التي وهبها الله خالداً حيث قال لهم: سآوي بكم الى حي من احياء العرب كثير عديدهم شديد بأسهم لم يرتدوا عن الاسلام.

هتف الجميع: نعم الحي من هم؟فقال خالد:طي.

نعم وعد خالد جنوده باعظم وعد بالمدد الكثير وهم قلة تكاد يتخطفهم الناس ووعدهم بان المدد هم شديدو البأس حين كان جيشه في اضعف حال ثم اكد لهم بان هؤلاء المدد هم اخوة لهم لم يرتدوا عن الاسلام اي انهم ثبتوا على عقيدتهم بايمان حقيقي صادق بعد ان بدل الناس وصاروا يقايضون بقاءهم على دينهم بشتى الوسائل ومنها عدم دفع الزكاة.

لقد كان كما قال بل كما وعد فقد بذلت طي اقصى ما تسطيع و اعطى اميرهم عدي بن حاتم رضي الله عنه العهد ان يكون جنديا رهن اشارة خالد.

سوى ان طي التمسوا خالدا رضي الله عنه ان يعفيهم من حرب بني اسد الذين ارتدوا عن الاسلام لان بينهم وبين طي حلفاً في الجاهلية ومودة بعد الاسلام وقد وافقهم خالد رضي الله عنه على ذلك فهو يعرف وببصيرة القائد الفذ ان قتالهم بني اسد سيكون لا كما يقاتلون غيرهم وربما يفت ذلك في عضدهم ويوهن عزائمهم ورغم ذلك لم تترك طي بني اسد بل كانوا يذهبون اليهم ويتواقفون على الخيل يدعونهم للعودة الى الاسلام ويرفض  بنو اسد فيتسابون ويتشاتمون ولكن دون ان يجرد احد منهم سيفا من غمده .

وبعد ان شاء الله واذن عادت اسد الى حظيرة الاسلام دون ان تتلاقى سيوف طي بسيوفهم فصانوا حلفا جاهليا زاده الاسلام حسنا وبهاء.

ولست اعجب بعدما عرفت عن هؤلاء الرجال في طي واسد ان أجد دماء سرت في شرايينهم قد شدت الى قلوب رجال يعيشون بين ظهرانينا وبعد قرون متطاولة،لا اعجب حين ارى تلك المودة بين رجلين ربما لم يطلعا على امر طي واسد في هذه القضية سوى انهم يحملون تلك الدماء النقية والشريفة في عروقهم فكانا خير خلف لخير سلف.

نعم وجدت تلك المودة العفوية بين الشيخين الجليلين حارث الضاري الذي ينتمي الى قبيلة زوبع الطائية وجواد الخالصي الذي ينتمي لقبيلة اسد وقد قيل ما اشبه اليوم بالبارحة وانعم به شبهاً.

فما ضرنا ان نشبه اؤلئك الرجال الافذاذ من طي واسد ومن لا يستطيع فليتشبه بهم.