لنقرأ التأريخ/عبد الحكيم حامد   عدد القراء : 326   .


رجال صدقوا

الحلقة الثانية


يوم توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم كانت المصيبة الكبرى التي ما بعدها مصيبة الى ان يرث الله الارض ومن عليها ارتد يومذاك من ارتد واظهر أهل النفاق ما في صدورهم من حقد وحنق على الاسلام ورسول الاسلام واحبط ناس وضاق آخرون وصدم بهذا المصاب كبار الصحابة حتى ان الفاروق عمر الذي(اذا سلك فجا سلك الشيطان فجاً آخر) عمر  المحدث بشهادة سيد الخلق هذا الذي اعز الله به الاسلام هذا العملاق جبار الجاهلية كما وصفه الصديق رضي الله عنه صار يهجر في المدينة من هول المصاب ويحدث الناس ان رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يمت وانما ذهب الىربه كما ذهب موسى عليه السلام.

في هذا الموقف الصعب والفاصل في تأريخ الاسلام لا بد ان يقيض الله لذلك رجل موقف يتعالى على الأحزان ويواجه الحقيقة الصاعقة برباطة جأش وقوة ارادة قد تخور عندها عزائم اهل العزم من الرجال وهكذا شاء الله ان يأتي ابو بكر من داره في السنح وهي تقع خارج المدينة فيدخل على رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد كان جسده الشريف مسجىً في دار عائشة رضي الله عنها فيقبله وهو يبكي ويقول:(طبت حياً وميتاً يارسول الله ثم يخرج الناس فيستقبله عمر وهو يكرر ماكان يقول للناس آنفاً فيحاول ابو بكر ان يردعه عما يقول ويفهمه ان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد مات ولكن دون جدوى فيذهب الى المسجد ويقف بالناس خطيباً قائلاً:(من كان يعبد محمدا فان محمدا قد مات ومن كان يعبد الله فان الله حي لا يموت وتلا قول الله تعالى(وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِن مَّاتَ أَوْ قُتِلَ انقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَن يَنقَلِبْ عَلَىَ عَقِبَيْهِ فَلَن يَضُرَّ اللّهَ شَيْئاً وَسَيَجْزِي اللّهُ الشَّاكِرِينَ).

فضج الناس بالبكاء وقد وصف عمر رضي الله عنه الموقف بقوله: فوالله ما ان سمعت ابا بكر تلاها فهويت الى الارض ما تحملني قدماي وعلمت ان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد مات.

هكذا كان ابو بكر رجل المواقف الصعبة والفاصلة فكان هذا الرجل الرقيق حتى بمن يسيء اليه البكاء من شدة الخشية من الله تعالى المرهف الاحساس والعاطفة يصبح وقت المحن كالطود الشامخ وما ردة العرب الا بعض احيائهم الا محنة كبرى كان ابو بكر قد تصدى لها بحزم وقوة ولم يتهاون حتى مع الذين بقوا على اسلامهم ولم يؤدوا الزكاة وقد اشار بعض الصحابة ومنهم عمر على الصديق بأن يترك مانعي الزكاة ويتألفهم حتى يتمكن الايمان من قلوبهم ثم هم بعد ذلك يزكون فامتنع الصديق عن ذلك واباه وهو يقول: والله لاقاتلن من فرق بين الصلاة والزكاة فان الزكاة حق الله والله لو منعوني عقالا كانوا يؤدونها الى رسول الله صلى الله عليه وسلم لقائلتهم  على منعها.

وهكذا كان رأي ابي بكر في قتال المرتدين والمحتالين على الدين في عدم دفع الزكاة رأيا ملهما وهو الرأي الذي تمليه طبيعة الموقف لمصلحة الاسلام والمسلمين وأي موقف غيره سيكون مصيره الفشل والضياع والهزيمة والرجوع الى الجاهلية.

وهكذا شاء الله ان يقدر لابي بكر ان يكون صاحب القرار الحاسم الذي لولاه بعد الله لتغير وجه التأريخ وتحولت مسيرته ورجعت عقارب الساعة الى الوراء لتعود الجاهلية اشد وطأة على قلوب الناس في جزيرة العرب ولما انجلت شمس الاسلام  على الارض.

لقد كان الرسول صلى الله عليه وسلم قدوة لابي بكر ولنا جميعاً وها نحن علينا ان نقتدي برسول الله صلى الله عليه وسلم ثم بأبي بكر رضي الله عنه ومن بعده من الصحابة رضي الله عنهم، وما خاب من اقتدى بمحمد صلى الله عليه وسلم حقاً.