رحمة مهداة/عبد الستار المرسومي   عدد القراء : 327   .


 

بعث النبي صلى الله عليه وسلم والانسانية تعج بالاهواء المتبعة واعجاب كل ذي رأي برأيه والناس يرتعون في غياهب قانون الغاب ولم يكن مبعثه كرحمة مقتصراً للذين صدقوه وعزروه ونصروه بان اخرجهم من الظلمات الى النور فزادهم ايمانا مع ايمانهم بل شمل كل من عاش في عصره والعصور التي تلته الى يوم القيامة لقوله تعالى(وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ) وقد روى الامام مسلم في حديثه عن ابي هريرة رضي الله عنه قال: قيل يا رسول الله ادع على المشركين قال: اني لم ابعث لعانا وانما بعثت رحمة) وقد روى ابن كثير في تفسيره قول ابن عباس رضي الله عنه من آمن بالله ورسوله واليوم الآخر كتب له الرحمة في الدنيا والآخرة ومن لم يؤمن بالله ورسوله عوفي مما صاب الامم من الخسف والقذف والمسخ) وذلك تمام قول الله تعالى:(وَمَا كَانَ اللّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ).

 ويؤكد النبي صلى الله عليه وسلم هذه الحقيقة فيقول:( ايما رجل سببته في غضبي او لعنته لعنة فانما انا رجل من ولد آدم اغضب كما تغضبون وانما بعثني الله رحمة للعالمين فاجعلها صلاة عليه يوم القيامة) رواه احمد وعن عطاء بن يسار قال: لقيت عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنه فقلت: اخبرني عن صفة رسول الله صلى الله عليه وسلم في التوارة فقال: اجل والله انه لموصوف في التوراة ببعض صفته في القرآن:(يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِداً وَمُبَشِّراً وَنَذِيراً) وحرزا للأميين انت عبدي ورسولي سميتك المتوكل ليس بفظ ولا غليظ ولا صخاب في الاسواق ولا يدفع السيئة بالسيئة ولكن يعفو ويصفح ولن يقبضه الله حتى يقيم به الملة والعوجاء بان يقولوا لا اله الا الله ويفتح به اعيناً عمياً وآذانا صماً وقلوباً غلفاً) رواه البخاري.

 وقد كان صلى الله عليه وسلم خير من عبد الله على الارض من الاولين والآخرين وكان بالفعل حرزاً للأميين(امة العرب) اقام به الله ملة عوجاء كل العوج فاصلحها وطهرها ونقاها وجاء بها الى شاطئ الامان وهو الاسلام وصدحت من جراء دعوته(لا اله الا الله محمد رسول الله) فملأت الآفاق مدوية لا يوقفها شيء فاسلم له الابيض والاصفر والاسود فكانوا سواسية كأسنان المشط يأكلون من اناء واحد ويشربون من كوز واحد ويفترشون فراشاً واحداً توحدت افكارهم وعاداتهم وتقاليدهم فكانوا امة من دون الناس كما وصفهم هو صلى الله عليه وسلم وسماهم ربهم تبارك وتعالى(المسلمين) وكانت امتهم امة الاسلام التي خضع لها ملوك الارض وجبابرتها فكانت اروع تجربة مرت بها الانسانية على الاطلاق حيث الحب والعدل والامان وتنظيم الحياة الاجتماعية بشكل ملفت للنظر.

صفات النبي محمد صلى الله عليه وسلم

لم يكن الاصحاب لمحمد صلى الله عليه وسلم من المصادفات او المجازفات او نتيجة نزعة عابرة بل كانت له جذورعميقة وقوية امتدت لعشرات السنين التي عاشها معهم في جاهليتهم واسلامهم فكانوا يسمونه بالصادق الامين في الوقت الذي كان نظراؤه من الرجال ذوي الشرف والرفعة في مكة يتمتعون بمزايا وحقوق ليس لغيرهم فهم يملكون مقاليد الامور والحكم ولا يسألون عما يفعلون وغيرهم يسأل وكان بامكان الرسول العظيم ان يستغل هذا الوضع فالوقت والعرف يسمحان بذلك ليعيث في الارض الفساد(حاشاه) كما كان يفعل من هو اقل منه شرفاً في مكة الا انه انكر في نفسه هذه العادات الحقيرة والتزم الاخلاق الفاضلة الحميدة وداوم عليها فاكسبته جمالا روحياً عجيبا فتعلق به الرجال وملك قلوبهم وكان مما يضفي جمالا لجمال روحه شكله الحسن ووجهه الوضاح وثغره الباسم وقد وصفه يوما عمه ابو طالب فقال:

 

    وابيض يستسقى الغمام بوجهه

              ثمال اليتامى عصمة للأرامل

 

فمن اجل ذلك وغيره احبوه ولقد دفعهم هذا الحب الى التقدم فلم يعرفوا التأخر ولم يتراجعوا القهقرى ولسان حالهم قول الشاعر:

 

      تأخرت استبقي الحياة فلم اجد

                  لنفسي حياة مثل ان أتقدما

      فلسنا على الاعقاب تدمى كلومنا

              ولكن على الاقدام تقطر الدما