دروس من علم الميراث في الشريعة الإسلامية/إعداد/ محمد الأعظمي   عدد القراء : 563   .


 

 

حكم ميراث الحرقى والغرقى والهدمى

 

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه اجمعين والتابعين لهم باحسان الى يوم الدين وبعد. فهذه الحلقة  سيكون فيها الكلام عن احوال المحروقين والغرقى والهدمى. وحكمهم من الميراث الشرعي والله الموفق:

اعلم عزيزي القارئ الكريم انه اذا مات اثنان او اكثر وكان بينهما سبب يتوارثان به كقرابة او زوجية او ولاء كأب وابنه وكأخوين او اخوة او كان السبب يورث احدهما من الاخر دون العكس كرجل وعمته وكان موتهم بحادث نزل بهم كأن انكسرت السفينة وهم فيها فغرقوا وكأن انهدم عليهم سقف او احترقوا او التحموا مع عدو في معركة فانجلت المعركة وهم قتلى او كان موتهم في وباء فلا يخلو حالهم من واحد من خمسة احوال وكما يألي:

اولاً: ان علم ان واحداً منهم قد تقدم موته وبقى العلم بالسابق فلا خلاف بين أحد من علماء الشريعة في ان الذي علم تأخر موته يرث الذي علم تقدم موته ان وجد سبب ذلك الارث لان شرط الارث حاصل وهو بقاء الوارث حياً بعد موت مورثه.

ثانياً: وان علم ان موتهما كان معاً ولم يتقدم موت احدهما على موت الآخر فلا خلاف بين احد من العلماء في ان كل واحد منهما لا يرث من الآخر شيئاً وان وجد سبب الارث لاننا قد تيقنا بانعدام شرط الارث اذ ان كل واحد منهما لم يبق حياً بعد موت مورثه.

ثالثاً: وان لم يعلم شيء من ذلك او علم ان احدهم قد سبق موته على موت الآخر لكن لم يعلم عين السابق منهما. فمذهب ابي بكر الصديق وعمر الفاروق وزيد بن ثابت رضي الله عنهم انه لا يرث بعضهم من بعض شيئاً وانما يجعل ميراث كل واحد منهم لورثته الاحياء.

وبهذت قضى زيد بن ثابت في قتلى معركة اليمامة حين بعثه ابو بكر الصديق رضي الله عنه ليقسم مواريثهم وبه قضى زيد بن ثابت رضي الله عنه ايضاً في موتى طاعون عمواس حين بعثه عمر بن الخطاب رضي الله عنه لقسم مواريثهم.

وقضى زيد ايضاً في قتلى الحرة ويرى هذا الرأي عن علي بن ابي طالب رضي الله عنه وبهذا اخذ الحنفية في قتلى الجمل وصفين ويروي عن عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه وبهذا اخذ الحنفية والمالكية والشافعية.

رابعاً: ان يعلم ان واحداً منهم مات قبل الآخر ويعلم عين السابق ثم ينسى.

خامساً: ان علم ان احدهما مات قبل الآخر وعلم عين السابق منهما ثم نسي السابق توقف الامر حتى يتبين السابق منهما او يصطلح فريقا الورثة على شيء فان لم يبن او يصطلح الفريقان على شيء فالامر في توريث احدهما من الآخر على الخلاف الذي ذكرنا في الحالتين الثالثة والرابعة.

كيفية توريثهم: قال الامام الرحبي رحمه الله تعالى

وان يمن قوم بهدم او غرق

            او حادث عم الجميع كالحرق

ولك يكن يعلم حال السابق

              فلا تورث زاهقا عن زاهق

وعدّهم كأنهم اجانب

           فهكذا القول السديد الصائب

تبين لنا من خلال هذه الابيات ان من مات على هذه الحالة ولا يعلم السابق منهم واللاحق فلا تورث بين واحد منهم والآخر بل نجعلهم كأنهم اجانب لان شرط الميراث تحقق حياة الوارث وهذا الشرط هنا مفقود.

مثال: فلو مات اخوان ولم يعلم السابق منهما وترك احدهما زوجة وبنتاً وترك الآخر بنتين وتركا عماً فلا يرث احد الاخوين من الآخر شيئاً بل تقسم التركة على هذا النحو لزوجة الاول الثمن ولبنته النصف وللعم الباقي وتقسم تركة الثاني للبنتين الثلثان وللعم الباقي.

مثال آخر:زوج وزوجة وثلاثة بنين لهما غرق الخمسة جميعاً او ماتوا معاً ولم يعلم السابق منهم وترك كل منهم مالاً وللزوج زوجة اخرى وابن منها.

وللزوجة الغريقة ابن من غيره فلا يرث واحد من الزوجين ولا من الاولاد الثلاثة شيء بل مال الزوج ثمنه للزوجة الثانية والباقي للابن منها.

ومال الزوجة الغريقة لولدها من غيره ومال كل من البنين الثلاثة سدسه لاخيهم من امهم وهو ولد الزوجة الغريقة من غير ابيهم الغريق والباقي لاخيهم من ابيهم والله اعلم.

خاتمة

نذكر في هذه الخاتمة عدداً من الآثار الموقوفة للصحابة رضي الله عنهم في فضل علم الفرائض وجميع هذه الآثار صحيحة ذكرها الامام الدارمي في مسنده والله الموفق.

اولاً: عن مورّق العجيلي قال: قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه تعلموا الفرائض واللحن والسنن كما تتعلمون القرآن.

ثانياً: عن الاعمش عن ابراهيم قال: قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه تعلموا الفرائض فانها من دينكم.

ثالثاً: قال ابو موسى الاشعري رضي الله عنه: من علم القرآن ولم يعلم الفرائض فان مثله مثل البرنس لا وجه له او ليس له وجه. اخرجه الدارمي في مسنده.

رابعاً: عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: تعلموا الفرائض والطلاق والحج فانه من دينكم

خامساً: عن ابي عبيدة عن عبد الله قال: من قرأ القرآن فليتعلم الفرائض فان لقيه اعرابي قال: يا مهاجر اتقرأ القرآن؟ فان قال: نعم. قال:تفرض؟ فان قال نعم.فهو زيادة خير وان قال: لا فما فضلك علي يا مهاجر. اخرجه الدارمي .

سادساً: عن الاعمش عن الامام مسلم قال: سألنا مسروقاً: هل كانت ام المؤمنين رضي الله عنها تحسن الفرائض؟ قال: والذي لا اله الا هو لقد رأيت الاكابر من اصحاب محمد صلى الله عليه وسلم يسألونها عن الفرائض متفق عليه.

وبهذه الحلقة نكون قد انتهينا من سلسلة دروس علم الفرائض.

ونعتذر عن تقديم دروس ميراث ذوي الارحام لما فيه من التفرعات والله ولي التوفيق والحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى  آله وصحبه وسلم.