الفضائيات والطائفية البغيضة/الشيخ عدنان العاني   عدد القراء : 397   .


 

بين الفينة والفينة يطلع علينا من خلال الفضائيات وما اكثرها اليوم علماء طائفيون يصبون الزيت على النار لتأجيج الطائفية البغيضة والانتقاص من اصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ونعتهم بشتى النعوت المزرية والتي تنم عن حقد دفين وبغض عميق لجيل الصحابة والذي قال رسول الله صلى الله عليه وسلم فيهم(لو ان احدكم انفق مثل جبل احد ذهباً ما بلغ مد احدهم ولا نصيفه).

وما ان طل علينا هلال المحرم حتى كثفت هذه الفضائيات المأجورة جهودها في سب الصحابة والطعن فيهم وفي اليوم العاشر من محرم بالتحديد باغتتنا احدى الفضائيات بوعاظ وناعقين طائفيين الى حد النخاع يشتمون اصحاب رسول الله علنا ويطعنون في عدالتهم ويتهمونهم بالخيانة والافتراء على رسول الله (صلى الله عليه وسلم).

وكان مما سمعته في ذلك اليوم ان اصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم جمعوا كل الاحاديث في فضل اهل البيت وقالوا ماذا نفعل بها؟ ثم امروا بحرقها واتلافها كي يطمسوا فضل اهل البيت. واوشك ان يقول انهم عندما جمعوا القرآن ابعدوا الآيات التي نزلت في فضل اهل البيت ولكن تحاشاها-وان كانت هذه عقيدتهم التي يدينون بها الله-لانها ستفتح عليه بابا يخرجه من الملة وهو الطعن في القرآن الكريم واتهامه بالنقص.

وكان مما قاله حديث الوصية: فقد اخرج البخاري ومسلم عن عبيد الله بن عباس رضي الله عنه:(لما اشتد بالنبي وجعه قال صلى الله عليه وسلم ائتوني بكتاب اكتب لكم كتابا لن تضلوا بعدي ابداً فقال عمر ان النبي غلبه الوجع وعندنا كتاب الله حسبنا فاختلفوا وكثر اللغط فقال قوموا عني ولا ينبغي عندي التنازع فخرج ابن عباس يقول الرزية كل الرزية ما حال بين رسول الله وبين كتابه).

فحاول الواعظ ان يصل من خلال هذا الحديث الى اتهام رسول الله صلى الله عليه وسلم بانه لم يبلغ الرسالة كما اراد الله تعالى منه حيث امره الله تعالى بالوصية لعلي رضي الله عنه من بعده فلم يفعل بسبب التنازع بين يديه كما اتهم عمر ورفاقه بانهم منعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم من ذلك واتهموه بالهذيان حيث قال عمر انه يهجر ليصل في نهاية المطاف الى ان الامام علياً عليه السلام هو الأحق بالخلافة وان عمر واصحابه خانوا الامانة وخالفوا رغبة النبي صلى الله عليه وسلم في ذلك وفي اللحظات نفسها التي كان يبث فيها هذا الحديث يبدو ان احد الاخوة كان يستمع له فاتصل بي مباشرة يقول متسائلاً هل هذا الحديث في البخاري ومسلم؟ فقلت نعم ولكن لا كما يفسره هذا الافاك ويستغلوه لإثارة المشاعر ضد اصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم.

فالحق والحق اقول:

يجب ان نعلم ان رسول الله صلى الله عليه وسلم معصوم من الكذب ومن تغيير شيء من الاحكام الشرعية في حال صحته او مرضه ومعصوم من ترك بيان ما امر ببيانه وتبليغ ما اوحى الله عليه تبليغه ولكن ليس معصوما من الامراض والاسقام فقد سحر عليه الصلاة والسلام وصار يخيل اليه انه فعل الشيء وهو لم يفعله.

ان الكتاب الذي هم رسول الله صلى الله عليه وسلم بكتابته يحتمل امرين اثنين:

الأمر الأول: انه اراد كتابة القضايا المهمة التي فيها تنازع كي يرتفع فيها النزاع ويحصل الاتفاق وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد هم بذلك حين ظهر له ان فيه مصلحة او اوحى الله اليه بذلك ثم نسخ ذلك الامر.

الأمر الثاني: انه اراد صلى الله عليه وسلم ان ينص على اسامي الخلفاء من بعده حتى لا يقع بينهم خلاف ويؤيد هذا ما اخرجه مسلم في صحيحه انه قال في اوائل مرضه وهو عند عائشة:(ادعي لي اباك واخاك حتى اكتب كتابا فاني اخاف ان يتمنى متمن ويقول قائل ويأبى الله والمؤمنون الا ابا بكر) ثم يبدو انه تركه اعتماداً على تقدير الله واعتماداً على تقديره اياه في الصلاة.

اما عمر رضي الله عنه :(ان النبي غلب عليه الوجع وحسبنا كتاب الله) قال العلماء هذا دليل على فقه عمر وفضائله ودقيق نظره لانه خشي ان يكتب اموراً ربما عجزوا عنها واستحقوا العقوبة بتركها لانها منصوص عليها ولا مجال فيها للاجتهاد فقال عمر حسبنا كتاب الله لان الله تعالى يقول:(ما فرطنا في الكتاب من شيء) ويقول(اليوم اكملت لكم دينكم واتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الاسلام دينا) فاراد عمر الترفيه والتخفيف على رسول الله صلى الله عليه وسلم فكان عمر افقه من ابن عباس. ولا يجوز ان نحمل كلام عمر على انه توهم الغلط على رسول الله صلى الله عليه وسلم لانه لما رأى ما غلبه من وجع وقرب الوفاة مع ما اعتراه من كرب خاف ان يكون ذلك القول مما يقوله المريض مما لا عزيمة فيه فيجد المنافقون بذلك سبيلاً الى الكلام في الدين والطعن في ذلك المكتوب. فقول عمر حسبنا كتاب الله رداً على من نازعه في الامر لا رداً على رسول الله صلى الله عليه وسلم. وقد اعتاد عمر ان يقترح على رسول الله صلى الله عليه وسلم اموراً كثيرة فيقره على كثير منها فلما قال:(ائتوني بكتاب اكتب لكم كتابا لن تضلوا بعده ابداً) اقترح عليه عمر ان يكتفي بكتاب الله تعالى فاقره رسول الله على ذلك ولو اراد رسول الله صلى الله عليه وسلم الكتابة لأسكت عمر ولأمضى ما يريد فدل ذلك على الاختيار ولو كان واجباً لم يتركه لاختلافهم لانه صلى الله عليه وسلم لا يترك التبليغ لمخالفة مخالف وقد اعتاد الصحابة ان يراجعوا في الامور التي ليس فيها جزم فاذا عزم امتثلوا.

(لما اشتد بالنبي وجعه) اي مرض موته ومن حديث سعيد بن جبر ان ذلك كان يوم الخميس وهو قبل وفاته بأربعة ايام.

(بكتاب) اي ادوات الكتابة وفي رواية مسلم(ائتوني بالكتف والدواة) والمراد بالكتف عظم الكتف لانهم كانوا يكتبون فيها.

(اكتب) وهو مجاز اي امر بالكتابة وفي مسند الامام احمد في حديث علي رضي الله عنه انه هو المأمور بالكتابة ولفظه(امرني النبي ان آته بطبق(اي الكتف) يكتب ما لاتضل امته من بعده وقال القرطبي وغيره(ائتوني) امر وكان حق المأمور ان يبادر للامتثال ولكن ظهر لعمر مع طائفة ان الامر ليس للوجوب وانه من باب الارشاد للاصلح فكرهوا ان يكلفوه في ذلك ما يشق عليه وهو في حال الاحتضار.

وقوله(ولاينبغي عندي التنازع) اشعار بان الاولى كان المبادرة الى امتثال الأمر وان كان ما اختاره عمر صوابا اذ لم يتدارك ذلك النبي بعد.

وقال القرطبي(واختلافهم في ذلك كاختلافهم في قوله(لا يصلين احد العصر الا في بني قريظة فتخوف ناس فوت الوقت فصلوا وتمسك آخرون بظاهر الامر فلم يصلوا وما عنف احداً فهم من اهل الاجتهاد المسوغ والمقصد الصالح.

اما قول ابن عباس(الرزية كل الرزية ما حال بين رسول الله وبين كتابه) ظاهر الحديث ان ابن عباس كان معهم وانه خرج قائلاً هذه المقولة والامر ليس كذلك انما كان يقوله عندما يحدث بهذا الحديث فقد روى ان ابن عباس لما حدث عبيد الله بهذا الحديث خرج من المكان الذي كان به وهو يقول ذلك ويدل عليه رواية ابي نعيم في المستخرج قال عبيد الله سمعت ابن عباس يقول:(الرزية كل الرزية...) الحديث وانما تعين حمل الحديث على غير ظاهره لان عبيد الله تابعي ولم يدرك القصة في وقتها لانه ولد بعد النبي بمدة طويلة ثم سمعها من ابن عباس بعد ذلك بمدة اخرى.

وفي رواية مسلم قالوا(ان رسول الله يهجر) اي يهذي قال القاضي عياض قالوا اهجر رسول الله هكذا هو في صحيح مسلم على الاستفهام وهو اصح من رواية هجر ويهجر لان هذا كله لايصح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم لان معنى هجر اي هذىوانما جاء هذا من قائله استفهاماً للانكار على من قال لاتكتبوا اي لا تتركوا امر رسول الله صلى الله عليه وسلم وتجعلوه كأمر من هجر في كلامه لان رسول الله صلى الله عليه وسلم لايهجر.

ومن كل ما تقدم يتضح لنا زيف ادعاء هؤلاء الافاكين الدجالين الذين يتاجرون بالدين ويستغلون جهل الناس في امور دينهم وان رسول الله لا يمنعه شيء من تبليغ ما لا بد من تبليغه كما يتضح لنا حب اصحاب رسول الله لرسولهم على عدم مخالفته وعلى تقديم المشورة بين يديه فما وافق بها الحق اقره وما خالفه امر بتركه والاعراض عنه ويأبى الله الا ان يتم نوره ولو كره الافاكون وآخر دعوانا ان الحمد لله رب العالمين.