| الطائفية في العراق.. واقع وأفاق   عدد القراء : 1644   . لقد انجزت وبنجاح كبير مهمة انتقال العراق الى نظام الطائفية السياسية كما حصل سابقا في لبنان ولكن الفرق ان اللبنانيين توصلوا الى استنتاج يتمثل بضرورة التخلص من النظام الطائفي في حين تتحمس النخب السياسية العراقية الى النظام الطائفي واعتباره يمثل التعددية الديمقراطية. هذا النظام الذي جاء به المحتل وروج له العملاء تحت اشعار زائفة يراد بها ان تتصارع المجموعات المتحايزة فيما بينها وذلك للحيلولة دون تجمعها ووحدتها في المستقبل، فقد كان ينظر الى اهل العراق ومنذ مئات السنين على انه شعب مسلم موحد ولكن بعد الاحتلال صار ينظر اليه على انه مؤلف عرقيا من عرب واكراد وتركمان ودينيا من مسلمين ونصارى وصابئة ومذهبيا من سنة وشيعة والهدف من ذلك كله هو احكام السيطرة على العراق من خلال انشغال العراقيين بأنفسهم في القتال والاختصام وبالتالي سيخفف الضغط على الامريكان الذين ذاقوا الأمرين من المقاومة، فما هي الظروف التي جعلت من هذا الحدث ممكنا، وكيف وصل العراق الى الطائفية السياسية. من وراء الطائفية؟ بعد أحداث (11) أيلول بدأت امريكا تركز على المنطقة العربية وتهاجم التيار الاسلامي (السني) بأعتباره المحرض الأول على العداء تجاه امريكا حيث بدت الطبقة السياسية الامريكية اكثر ميلا للتحالف مع الاقليات في الشرق خاصة الطوائف المختلفة مع التيار الاسلامي (السني) وظهر ذلك في التقرير الذي اعده مركز (راند) بواشنطن بالتعاون مع قوات الجوية الامريكية والذي نشرته صحيفة (واشنطن بوست) يوم 6 آب 2002 حيث اصدر تقرير بعنوان (الولايات المتحدة والعالم الاسلامي: إستراتيجية ما بعد الحادي عشر من سبتمبر) حيث تحدث هذا التقرير عن الانقسامات داخل العالم الاسلامي مطالبا الادارة الامريكية باستغلال هذه الانقسامات والذي يعد من ابرزها السنة والشيعة وينص التقرير صراحة على (معظم المسلمين من اهل السنة، اما الشيعة الذين يبلغ تعدادهم اقل من 10% من مسلمي العالم يمثلون أغلبية في ايران واقليات متواجدة في البحرين واقليم الشرق من السعودية وكذلك في العراق ويمكن للولايات المتحدة ان تنحاز سياسيا الى تلك الجماعات الشيعية لان هذا الامر من شأنه اذا ما تم ان يقيم حائط سد ضد الحركات الاسلامية السنية وينشأ اساساً لوضع مستقر للولايات المتحدة في الشرق الاوسط، وبعد احتلال العراق بدأت امريكا بتنفيذ خططها من خلال المحاصصات الاثنية والطائفية، ورغم ان العراق قد أسس دولته حديثا عام 1920 على اساس المواطنة، فانهم شكلوا مجلس الحكم الانتقالي على اساس المحاصصات وهي سابقة في تأريخ العراق وكان أول من دشنها في المنطقة العربية هم الفرنسيون حيث جمعوا القيادات التقليدية السياسية اللبنانية فيما عرف لاحقا (بالميثاق الوطني) وقسموا الغنيمة حصصا بين القوى على أساس طائفي، ومن جهة اخرى بدأت وسائل الاعلام الغربية تتحدث عن منظور الحرب الاهلية بعد الانتخابات وبالفعل فقد قامت قوات الاحتلال بتهيئة الاجواء لاندلاعها عن طريق اغتيال رموز معروفة وتفجير وتدمير مساجد اهل السنة والجماعة والحسينيات الشيعية والقاء تبعاتها على جهات محسوبة على طائفة معينة، وقد اسهمت المليشيات المذهبية والعرقية في تنفيذ هذا المخطط وما يحدث من حملات تطهير عرقي في كركوك خير مثال على ذلك فقد اصبحت معظم اسماء المدارس والمطاعم والاحياء باللغة الكردية واصبح مشهد تكريد كركوك ماثلاً للعيان في كل ركن وزاوية من المدينة وكذلك الحال في بقية مناطق العراق وخاصة محافظة البصرة حيث يتعرض اهل السنة هناك الى خطر الاعتقال والتهديد بالقتل والاختطاف من قبل المليشيات الطائفية لغرض ترحيلهم. المحاصصة الطائفية في الحكومة لم تشكل الحكومة الا بعد صراع ثلاثة اشهر حيث ولدت ناقصة وسبب ذلك يعود الى ان الحقائب الوزارية اراد لها ان توزيع وفق المحاصصة الطائفية وليست على اساس كفاءة المواطن ونزاهته واخلاصه وتاريخه المشرف لكي يكون في المنصب المناسب دون السؤال عن مذهبه وقوميته وانتمائه السياسي وعشيرته. فالركون الى مبدأ المحاصصة الطائفية في المناصب والتشكيلات السياسية العليا وبقية المناصب ووظائف الدولة سيكون عقبة في بناء الدولة العراقية فتجربة تشكيل مجلس الحكم وحكومة علاوي اعتمادا على قاعدة المحاصصة الطائفية اضرت بالحالة السياسية العراقية ضررا كبيرا وهي كانت احد اسباب تأخر تشكيل حكومة الجعفري التي ارادوا لها ان تلبس ثوب الوحدة الوطنية وهي في حقيقتها حكومة طائفية لا تمثل الطيف السياسي الواسع والمكونات الاساسية والمتنوعة من ابناء العراق كما ان حكومة المحاصصة تخلق مشاكل عديدة في بداية تشكيلها لانها تلغي قطاعات واسعة وطاقات مهمة ومؤثرة بسبب الاختيار الضيق والمحدود للاشخاص. كما انها تعزز النعرات الطائفية وتكون عائقا امام تطبيق معيار اعتبار النزاهة والكفاءة الوطنية وهي المؤهلات الاساسية في اشغال الوظائف الحكومية وما شهدته بعض الوزارات من تعينات وفق مبدأ المحاصصة واعتبار هذه الوزارة او تلك اقطاعية للوزير وحزبه خير مثال ملموس على ذلك. التوافقية عرف يصعب الخلاص منه ان اعتماد مبدأ التوافقية الذي ابتدعته قوات الاحتلال في العراق يعتبر بديلاً غير شرعي للديمقراطية حيث اصبحت عرفا سياسيا يصعب الخلاص منه وقد نظر البعض الى المحاصصة الطائفية في توزيع مقاعد السلطة بعد الانتخابات على انها نكران ذات من قبل الفائزين. لكن الاستمرار في هذا النمط في تقاسم السلطة بين الاطياف العراقية يعتبر تجربة اكدت فشلها في مجلس الحكم والحكومة المؤقتة. فالتوافقية اصبحت بديلاً غير شرعي للديمقراطية اذ تؤدي الى تعدد مرجعيات القرار الرسمي بدلا من المرجعية الشرعية الواحدة. وقد اعتبر البعض موافقة القوائم الفائزة منح من قاطع الانتخابات ولم يشارك بها او ليس له ثقل في البرلمان مناصب سيادية ووزارية في الدولة بانه حكمة تقود الى توافق مطلوب في هذه المرحلة. الا ان مثل هذا السلوك يؤدي الى تواجد شخصيات ليس لها ثقل جماهيري وليس لها ميزة سوى انتمائها الطائفي الى جانب ذلك سيعتبر ذلك عرفا ستطالب بتطبيقه قوى ربما لن تحصل على اغلبية الاصوات في الانتخابات المقبلة نتيجة فشل مشروعها وعدم امتلاكها لاي رصيد جماهيري ولا تملك الا الانتماء الطائفي مما يؤدي الى دخول في دائرة التوافقية التي تصادر ارادة الجمهور وبالتالي يتحول الامر الى عرف سياسي يصعب الخلاص منه. الطائفية والمواطنة المواطنة اصلها وطن اي انها تعني وقبل كل شيء علاقة الانسان بوطنه وهي غير مرتبطة بطبيعة الحكم وبهوية الحكم اي انها شعور المواطن بانتمائه الى وطنه، اما الطائفية فهي تغيب الوطن وتحل محله لذا يجب محاربتها وبكل الوسائل من خلال الغاء كل الصبغ الاجتماعية التي تكرس المفاضلة والتمييز بين ابناء المجتمع واعتبار كل المواطنين متساويين في الحقوق والواجبات وان اختلفوا في انتماءاتهم الدينية ومواقعهم الاجتماعية، ولكي تصبح ثقافة المواطنة هي السائدة في المجتمع يجب ان تتوفر كل الظروف التي تسهل تطبيقها واهمها هو سيادة القانون في كل مؤسسات المجتمع. ومن ناحية اخرى يجب علينا ان نتصدى لكل افكار الطائفية التي يعمل عليها المحتل والمليشيات الطائفية التي جاءت معه من خلال تعزيز وترسيخ الوحدة الوطنية ولوعي المشكلة ومخاطرها ومعالجة كل الامور السلبية بحيث لا يتضمن الدستور القادم اي شكل من اشكال الطائفية وخاصة الفيدرالية التي تؤدي الى تقسيم العراق اذ يراد منها ان تكون بنداً ثابتاً في الدستور القادم او عرفا سياسيا لانه بدونها لا يمكن تحقيق شعاراتهم الطائفية التي يخاطبون بها الناس بعيدا عن الخطاب الوطني باسم العراق والعراقيين. كما يجب علينا ان نعرف ان الاعلاء من شأن الانتماءات الطائفية والعرقية على حساب مبدأ المواطنة سيؤدي في المستقبل الى ان تكون هناك وزارات سيكون فيها بعض الفئات المنبوذة ومدن ومناطق سيهجر منها فئات معينة من العراقيين ووجود دوائر لن يجرؤ المواطن على دخولها الا اذا كان منتميا الى الفئة العرقية او الطائفية التي تتحكم بها وما جرى لوزارة الخارجية خير دليل حيث ان النسبة الكبيرة من السفراء العراقيين هم من الاكراد فهذا هو النموذج الذي يراد له ان يعمم بحيث لا يستعيد العراقي موطنه وبالتالي نلجأ الى القبيلة او الطائفية من اجل ان يجد له مكان على هذه الارض. خاتمة القول عملت قوات الاحتلال منذ دخولها على زرع الطائفية والكراهية بين اطياف المجتمع العراقي من خلال المليشيات المتواجدة في اجهزة الشرطة والحرس الوطني واعلام الحكومة الطائفي وابتداعها نظام المحاصصة في حكم العراق. لذا على العراقيين ان يعوا ويتصدوا الى كل خطط الاحتلال من خلال التمسك بالوحدة الوطنية بالتسليم بالحق في المواطنة لكل عراقي دون تمييز بين طائفة او دين او لغة وصولا الى دستور حقيقي يكفل لهم ذلك، فان العراق كان بلدا مشهودا له بالامان والانضباط بينما جاء الاحتلال بالخراب والفتن والدمار ولن تزول هذه الفوضى الا بزواله. |