| (قصة واقعية).. (ليست ) الدار للبيع!   عدد القراء : 1478   . عيونه مغرقة بالدموع.. ما فتأ يدعو الله عز وجل منذ أودع التوقيف أن يفرج همه سبحانه وتعالى.. بدأ يستعيد ما حصل له وكأنه طيف خيال.. كيف انقلبت حياته رأسا على عقب.. فبدلا من أن يعود الى أهله بالفرح والسرور - بعد أن أتم مناسك الحج مع القافلة التي كان هو سائقها- أودع التوقيف بسبب حادث دهس ضحيته عاملان من الأجانب الذين يعملون في السعودية.. هز رأسه بائساً وهو يردد قول القاضي: ((لن نطلق سراحك قبل دفع الدية والبالغة (40000) ديناراً، وهل املك أنا وأهلي قوت يومي حتى استطيع أن أدفع هذه الدية؟ ان كل ما أملكه من حطام الدنيا هو بيت صغير يجمعني وعائلتي وأمي المريضة ذات السبعين عاما.. بدأ يسأل نفسه ويتخيل الموقف كيف ستتصرف زوجته وأمه عندما يصلهم الخبر؟ من سيصرف عليهم.. من اين سيأتون بالمال اللازم لشراء الدواء ومن سينفق على العيال.. كل هذه الهموم اجتمعت عليه وأحس بألم شديد في رأسه زاد منه حدة صوت السجان يفتح باب الموقف، ويدخل اليه عمال في معمل تشاجروا فيما بينهم.. كان دخولهم وصياحهم مصدر إزعاج شديد له خصوصا وإنه لم يفهم ولا كلمة مما يقولون والظاهر عليهم انهم باكستانيون.. قرر تجاهلهم والاستغراق بدعائه وتضرعه الى المولى ليكشف عنه هذه الغمة ردد مرارا دعاء سيدنا يونس عليه السلام وهو في بطن الحوت قائلا: ((لا اله الا انت سبحانك إني كنت من الظالمين)) قضى ليلته وهو يناجي ربه ثم استسلم للنوم بعد صلاة الفجر، وفي الصباح جاء صاحب المعمل ليخرج عماله المتخاصمين ويدفع كفالتهم.. لم يبق في الموقف الا هو.. نظر اليه نظرة متفحصة.. وكأنه تذكر شيئا ما.. ثم كرر النظر اليه وسأله: ما قصتك؟ ولم أنت هنا؟ وماذا كنت تعمل قبل الحج؟ اجاب السجين: أنا سائق شاحنة على الطريق (العقبة - بغداد) فقال له: الا تعرفني.. انظر لي جيدا.. لعلك تذكرني!! قال: أنا أعرفك جيدا.. كنا في يوم شديد الحر، مسافرين أنا وعائلتي وتعطلت سيارتنا على الطريق الخارجي ولم يجرأ أحد على الوقوف لمساعدتنا بسبب الخطر المحدق من سلب ونهب وقتل، ولكنك وقفت وأصلحت لنا السيارة وسقيتنا الماء والشاي وأردت أن اعطيك بعض المال.. فرفضت!! وقلت: إني أطلب الأجر من الله تعالى.. والان حانت ساعة الوفاء.. والفضل للبادي.. فما كان من صاحب المعمل الا ان دفع الدية وأخرجه من السجن واستضافه في بيته ثلاثة أيام، ثم حمله بالهدايا لأهله في بغداد وأرسله بالطائرة.. عاد السائق الى الوطن وبلهفة المشتاق ذهب الى بيته وطرق الباب بعد ان فوجئ بوجود قطعة على الباب مكتوب عليها ((الدار للبيع)). ومشت الأم بخطوات متثاقلة.. لقد كانت متأكدة أن الطارق هو الدلال أتى بمن يشتري البيت.. فتحت الباب وكانت المفاجأة.. إنه الحبيب الغائب.. أخذته بالأحضان وسجدت للمولى شاكرة وحامدة.. والتف الجميع حول الغائب العائد وأخبرهم الخبر.. انسحب أصغر أولاده خارج الدار وأضاف على اللافتة المعلقة على جدار البيت كلمة (ليست) لتصبح: ((ليست الدار للبيع)). وبعد يومين من وصوله الى بغداد صادفته وهو يسير في جانب الكرخ قرب مبنى التربية الاسلامية في محلة السوق الجديد حيث سرد لي قصة إطلاق سراحه وقال: إن قصتي أغرب من الخيال ولكن تدابير القدر ليس فيها غريب ولو كان الأستاذ المرحوم محمود شيت خطاب حياً يرزق لسجل قصتي في كتابه (من تدابيرالقدر). ((ومن يتق الله يجعل له مخرجا ويرزقه من حيث لا يحتسب)). |