حقول العراق.. من البرتقال إلى الخشخاش   عدد القراء : 338   .


فيما يكرر جورج بوش وقادته في العراق المحتل ادعاءاتهم بتحسن الأوضاع هناك وعلى الأخص في شقها الأمني, فإن الأخبار الواردة من البلد المحتل وبشكل شبه يومي، تشير إلى وضع مأساوي يزداد تدهورًا, جراء الاحتلال الغاشم وما رافقه من تداعيات بائسة وإفرازات مسمومة. ولإدراك الوضع المؤلم والذي يزداد ترديًا مع تنكب الكثير من الدول العربية والإسلامية عن القيام بواجباتها تجاه بلد مسلم وشعب مسالم، سنستعرض بعضًا من التقارير الإخبارية الواردة من هناك في الأيام القليلة الماضية والتي تكشف عن جانب من الحقائق المفجعة والأحوال الموجعة.........

 

 

د. ياسر سعد

شهدت مناطق في جنوب العراق توترًا أمنيًا واشتباكات عنيفة أسفرت عن مقتل العشرات في صدامات بين قوات الأمن وعناصر من جماعة شيعية تسمى (جند السماء) بمناسبة عاشوراء. ووقعت الاشتباكات في مدينتي البصرة والناصرية. وقالت مصادر رسمية: إن القتال في الناصرية بدأ عندما تم إطلاق قذائف هاون على موقع للشرطة في المدينة وإن أعضاء الجماعة الذين كانوا مسلحين ببنادق آلية وصواريخ محمولة على الكتف ويحملون أعلامًا صفراء بدأوا الهجوم بعد ذلك القصف. وقالت الشرطة: إن (15) شخصًا على الأقل قتلوا، من بينهم قائد قوة التدخل السريعة التابعة لشرطة المدينة وسبعة ضباط. أما قائد شرطة البصرة اللواء عبد الجليل خلف فأكد أن قوات الأمن تصدت لعدة هجمات من المسلحين, وأن زعيم المسلحين أبا مصطفى الأنصاري قد قضى في القتال.

أحداث عاشوراء الدامية تكشف أن الوضع الأمني في العراق مأزوم, وأن ألغامًا كثيرة في أحشائه يمكن لها أن تنفجر في أي وقت, وإلا من كان يسمع بتلك الجماعة؟ مع عدم القدرة من التأكد من صحة المعلومات الرسمية، وقد تعودنا من حكومة الاحتلال، على الكثير من الأخبار غير الدقيقة. كانت الأحداث المترافقة مع المناسبات الشيعية تعزَى للسلفيين والقاعديين والآن يتطور ويتأجج الصراع ليصبح بين الطوائف نفسها.

• المحكمة الجنائية العليا العراقية تعلن قراراها بتخفيض رتبة المدعي العام جعفر الموسوي الذي كان يمثل النيابة العامة في محاكمة الرئيس صدام حسين إلى قاضي تحقيق، ونقله من بغداد إلى محكمة في السليمانية. الموسوي اعتبر أن قرار عزله يعود لكتابته مذكرة في منتصف كانون الأول الجاري إلى رئيس المحكمة، كشف فيها المخالفات المالية والأخلاقية التي يرتكبها قضاة المحكمة. كما عزا الموسوي القرار في حقه إلى طلبه تخفيض حكم الإعدام الصادر في حق وزير الدفاع السابق سلطان هاشم.

لا تنقطع أخبار الاتهامات المتبادلة بالفساد والمحسوبية بين سياسة الاحتلال والتي وصلت لكل مستوياتها, فرئيس لجنة النزاهة أُتهم في نزاهته وبعيار ثقيل، وهو بدوره يتهم منافسيه بسوء الأمانة، وبفصله من مركزه؛ لوقوفه في وجوههم. الآن المدعي العام بمحاكمة صدام حسين يعاقَب وظيفيًا فيرد على عزله ويعزوه لمحاربته فساد القضاة والذين يصدرون أحكام الإعدام ويتصدرون للفصل في قضايا المواطنين. فأي فساد وصل إليه نظام خرجت روائح عفَنِه الآسنة من لجان النزاهة وقضاة المحاكم؟

• قال مصدر في شرطة البصرة: إن شرطة الزبير غرب البصرة ألقت القبض على عصابة تقوم بتهريب النساء إلى دول الخليج العربي. وأضاف المصدر أن العصابة معروفة بالتهريب والمتاجرة بالنساء في الزبير، مبينًا أن التحقيق ما زال مستمرًا مع أفراد العصابة؛ لكشف العمليات التي قامت بها والعناصر المتواطئة معها والجهات التي تقف خلفها.

تقارير كثيرة إخبارية ودولية تحدثت عن الأوضاع المحزنة لنساء العراق ، ولعل من السخرية المبكية أن نستذكر أن أحد الذرائع التي كان يتحجج بها الإعلام والمسؤولون الأمريكيون عشية غزو أفغانستان، الحاجة الماسة لتحرر المرأة الأفغانية من اضطهاد طالبان. فما الذي فعله الاحتلال بالمرأة والأسرة العراقية؟ الشرطة في البصرة قد لا تكون معنية بتفصيلات الحادث وتداعياته بقدر ما تكون معنية بتصفية حسابات سياسية بين أطراف متنافسة.

• كشفت صحيفة (ذي اندبندنت) البريطانية أن بعض المزارعين العراقيين بدأوا يزرعون الخشخاش، الذي يُصنع منه الأفيون. وذكرت الصحيفة أن بعض الأفغان الذين لهم خبرة في زراعة الأفيون قدّموا مساعدة لمزارعين عراقيين في زراعة الأفيون، خصوصًا في بعض المناطق الخصبة في محافظة ديالى التي كانت تشتهر بإنتاجها للبرتقال والرمان. وأضافت أن زراعة الأفيون تتم، مثلاً، في مزرعة تخضع لحراسة مشددة في بلدة بهرز، جنوب بعقوبة مركز محافظة ديالى.

العراق البلد الذي كان خاليًا من المخدرات، أصبح منتجًا، بل ومقرًا لتجارة المخدرات عالميًا؛ بسبب الاحتلال وسياسييه. وهكذا تتحول بساتين الرمان والبرتقال، إلى مراكز لصنع الموت والدمار لأجيال المستقبل من العراقيين, فأي جانب في حياة العراقيين لم يلوثه الاحتلال ويدنسه؟

• كشفت جهات رقابية حكومية في العراق عن إجراءات واسعة تشمل فحص المواد الغذائية الداخلة للبلد, واتخذت هذه الإجراءات؛ نتيجة إغراق الأسواق العراقية -وبشكل متزايد- بالأغذية الفاسدة. وحمّلت مصادر في وزارة الصحة المسؤولية إلى لجان التفتيش الحدودية، وأكدت أن المواد الغذائية الرديئة غزت العراق منذ الأيام الأولى من الاحتلال، عبر عشرين منفذًا حدوديًا غير رسمي. وأشارت المصادر نفسُها إلى أن باحثين متخصصين أجروْا تحاليل مخبرية على أنواع لحوم مستوردة، اكتشفوا من خلالها احتواءها على مواد سامة نتيجة التعامل معها بطرق التحويل الجيني أو تغذيتها بأعلاف كيماوية.

في العراق الأمريكي من لم يمت برصاص مليشيات الموت, أو قوات الاحتلال أو مرتزقته من بلاك ووتر وأخواتها, أو بتفجيرات غامضة أو جوعًا.., مات بالأغذية الفاسدة وبموادها السامة. ولعل أكثر ما يأتي للعراقيين من مواد مهلكة مصدرها إيران، كما أشارت تقارير صحفية إلى أن عدم الثقة بالحكومة العراقية مع انتشار الفساد في أركانها، أدى إلى عدم الاطمئنان إلى جدية الإجراءات المتخذة من قبل أجهزتها المختلفة في هذا الشأن.

• كشف تقرير جديد عن مدى التدمير الذي لحق بنظام الرعاية الصحية في العراق بعد الغزو والتأثير المدمر الذي سببه للعراقيين، متهمًا قوات التحالف بالفشل في حماية المؤسسات الطبية. وقال التقرير الذي وضعه فريق مستقل من الباحثين والمستشارين من بريطانيا والولايات المتحدة والعراق ودول أخرى من منظمة (مدآكت) ومقرها لندن: إن قوات التحالف فشلت في القيام بواجبها في حماية المؤسسات الطبية وموظفيها في العراق، الأمر الذي جعل توفير الرعاية الصحية في العراق صعبًا وعلى نحو متزايد منذ الغزو بسبب الهجرة الجماعية للكوادر الطبية. وأضاف التقرير أن النظام الصحي في العراق يعاني من الفوضى؛ بسبب عدم وجود أي إطار مؤسساتي، وكذلك الانقطاع المستمر للكهرباء وغياب المياه النقية والانتهاك المتكرر لحياد الفرق الطبية. وأشار التقرير إلى أن المرضى بات عليهم الآن دفع الرُّشَى للدخول إلى المستشفيات بقصد العلاج.

هذه عينة من الأخبار المحزنة والتقارير المؤلمة والتي وردت من العراق خلال أيام معدودات, تكشف عن أحوال قاسية يعاني منها الشعب العراقي والتي تصل في أبعادها إلى حالة من الإبادة الجماعية البطيئة والتي سببها الاحتلال الظالم وتداعياته. إنها جرائم ضد الإنسانية وستكون لها انعكاسات سلبية وقاسية على أجيال من العراقيين. ومن بعد ذلك يتبجح بوش وإدارته بالتحسن الجاري في العراق وبالحرية التي يتمتع بها العراقيون! التحسن الذي يتفاخر به بوش يُحسب عنده من خلال عدد الإصابات بين جنوده دون اعتبار لمآسي العراقيين ومعاناتهم, وفي ذلك بُعد عنصري يضاف إلى الأبعاد الإجرامية لسياسة رجل بغيض.