توبة   عدد القراء : 1380   .

لقد تغير صاحبي، نعم تغير: ضحكاته الوقورة تصافح اذنيك كنسمات الفجر الندية، وكانت من قبل ضحكات ماجنة مستهترة تصك الاذان، وتؤذي المشاعر. نظراته الخجولة تنم عن طهر وصفاء، وكانت من قبل جريئة وقحة. كلماته تخرج من فمه بحساب، وكانت من قبل يبعثرها هنا وهناك، تصيب هذا وتجرح ذاك لا يعبا بذلك ولا يهتم، وجهه هادئ القسمات، تزينه لحية وقورة، وتحيط به هالة من نور، وكانت ملامحه من قبل تعبر عن الانطلاق وعدم  المبالاة.
نظرت اليه وأطلت النظر ففهم ما يدور بخلدي- وهو لمّاح بطبعه- فقال:
- لعلك تريد ان تسالني: ماذا غيّرك؟
- نعم، هو ذلك، فصورتك التي اختزنتها لك في ذاكرتي منذ لقيتك آخر مرة من سنوات تختلف عن صورتك الآن.
فتنهد قائلاً:
- سبحان مغير الاحوال.
- لا بد ان وراء ذلك قصة.
- نعم، قصة كلما تذكرتها ازددت ايماناً بالله القادر على كل شيء، قصة تفوق الخيال، ولكنها وقعت لي وغيرّت مجرى حياتي، وساقصها عليك:
ثم التفت إلي وقال:
- هل سمعت بالمثل القائل (اعطني عمراً وارمني في البحر)؟
- وما دخل ذلك بقصتك!
- بل هو قصتي.
واعتدل في جلسته وقال:
وكنت في سيارتي متجهاً الى القاهرة، وعند احد الكباري الموصلة الى احدى القرى فوجئت ببقرة تجري ويجري وراءها صبي صغير، وارتبكت فاختلت عجلة القيادة في يدي ولم اشعر الا وانا في اعماق الماء (ماء ترعة الابراهيمية)، ورفعت راسي الى اعلى عليّ اجد متنفساً، ولكن الماء كان يغمر السيارة جميعها. مددت يدي لافتح الباب فلم ينفتح، هنا تاكدت اني هالك لا محالة. وفي لحظات- لعلها ثوان- مرت امام ذهني صور سريعة متلاحقة، هي صور حياتي الحافلة بكل انواع العبث والمجون، وتمثل لي الماضي شبحاً مخيفاً، واحاطت بي ظلمات كثيفة، واحسست باني اهوي الى اغوار سحيقة مظلمة، فانتابني فزع شديد، فصرخت في صوت مكتوم يارب.. ودرت حول نفسي مادّاً ذراعي اطلب النجاة، لا من الموت الذي اصبح محققاً، بل من خطاياي التي حاصرتني وضيقت على الخناق، احسست بقلبي يخفق بشدة فانتفضت وبدات ازيح من حولي تلك الاشباح المخيفة واستغفر ربي قبل ان القاه، واحسست كان ما حولي يضغط عليّ؛ كانما استحالت المياه الى جدران من الحديد، فقلت انها النهاية لا محالة، فنطقت بالشهادتين وبدات استعد للموت، وحركت يدي فاذا بها تنفذ في فراغ.. فراغ يمتد الى خارج السيارة وفي الحال تذكرت ان زجاج السيارة الامامي مكسور، شاءت الاقدار ان ينكسر في حادث منذ ايام ثلاثة. وقفزت دون تفكير ودفعت بنفسي من خلال هذا الفراغ فاذا الاضواء تغمرني، واذا بي خارج السيارة. ونظرت فاذا جمع من الناس يقفون على الشاطئ. كانوا يتصايحون باصوات لم اتبينها، ولما راوني خارج السيارة نزل اثنان منهم وصعدا بي الى الشاطئ.
وقفت على الشاطئ ذاهلاً عما حولي غير مصدق اني نجوت من الموت واني الان بين الاحياء. كنت انظر الى السيارة وهي غارقة في الماء، فاتخيل حياتي الماضية سجينة هذه السيارة الغارقة. اتخيلها تختنق وتموت؛ وقد ماتت فعلاً وهي الان راقدة في نعشها امامي. لقد تخلصت منها وخرجت. وخرجت مولوداً جديداً لا يمت الى الماضي بسبب من الاسباب. واحسست برغبة شديدة في الجري بعيداً عن هذا المكان الذي دفنت فيه ماضي الدنس ومضيت.. مضيت الى البيت انساناً اخر غير الذي خرج قبل ساعات، دخلت البيت وكان اول ما وقع عليه بصري صوراً معلقة على الحائط لبعض الممثلات والراقصات، وصوراً لنساء عاريات، واندفعت  الى الصور امزقها، ثم ارتميت على سريري ابكي. ولاول مرة احس بالندم على ما فرطت في جنب الله.
فاخذت الدموع تنساب في غزارة من عيني، واخذ جسمي يهتز، وفيما انا كذلك اذا بصوت المؤذن يجلجل في الفضاء وكانني اسمعه لاول مرة، فانتفضت واقفاً وتوضات، وفي المسجد وبعد ان اديت الصلاة اعلنت توبتي ودعوت الله ان يغفر لي، ومنذ ذلك الحين وانا كما ترى.
قلت وقد بلغ بي التاثر مبلغه: هنيئاً لك يا اخي.. وحمداً لله على سلامتك.. لقد اراد الله بك خيراً. والله يتولاك ويرعاك ويثبت على الحق خطاك..