| وعي الذات: قراءة تمهيدية ثانية   عدد القراء : 1486   . في خضم هذه الفوضى العارمة التي ما زالت تحيط بنا، وتأخذ بخناقنا.. في اتون هكذا نكوص حضاري وارتداد تاريخي شاذ قاسيناه طويلاً ومازلنا نقاسيه سواءً في العراق او في الوطن العربي وان كان بدرجات متفارقة، ربما مازال الوقت مبكراً للبحث في موضوعية شائكة، ومعقدة وموغلة في العمق وثابتة بقدر ما هي متغيرة ومتغيرة بقدراً ماهي ثابتة.. موضوعية مثل موضوعية (مقومات الذات التي ينبغي للعراقي ان يكون وفقها وهو يدخل الالفية الثالثة) او بكلمات اخرى (مقومات الشخصية العراقية وهي تواجه الالفية الثالثة). وصياغة متعجلة وسطحية ومشوشة ومنقطعة ولا منتمية لأرث العراق الكبير ولا لعمقه ومكانته في الأمتين العربية والاسلامية؛ المركزية او شبه المركزية في رسم ملامح المستقبل العربي الاسلامي الواعد ستكون هي الاخرى مطباً تاريخياً جديداً سيلقي لا محالة بافرازته المتعفنة فوق لوحة وجودنا التاريخي الحضاري العقائدي وسيعطل كثيراً من قيمة ومكانة (المجال الحيوي) للعراق في انتمائه لأمته العربية والاسلامية، وسيشكل عوقاً تاريخياً مضافاً لنا وللاجيال القادمة وسيحول بيننا وبين ادوار تاريخية حضارية ممتازة كنا سنؤديها لنا ولأمتنا العربية والاسلامية. وقد يخفى عن الكثير ان ما نعانيه نحن اهل العراق من ارتكاس عام في الاداءات السياسية التاريخية الحضارية للعراق انما يمثل في محتواه ومحتواه العميق الشكل التطبيقي لما يمكن ان يسمى بحروب الهوية؛ تلك الحروب التي شنتها وتشنها قوى دولية واقليمية وعقائدية وارتدادية تلك الحروب التي تريد ان تدفع بالعراق قسراً لتمثل هويات تغريبية هشة في طابعها العام قياساً على حقيقة مقومات الشخصية العراقية؛ مقومات ذات العراقي في عشرة الاف سنة من عمره المديد. وقد يعترض معترض، حسناً ما دام الأمر لا يستوجب هذه العجالة ولا يستدعي هذا القلق، بل ويحبذ التروي فيه، والدقة العلمية الصارمة فما هي ضرورة ان تبحث موضوعية (مقومات الذات التي ينبغي للعراقي ان يعتمدها...) وخاصة انها موضوعية بارزة الاثر ومتواصلة في الفعل التاريخي في الشخصية العراقية وفاعلة وليست خاملة في انجازات الفعل الحضاري لها، ليس في تاريخنا الحديث هذا فحسب انما طيلة تاريخ العراق الممتد لآلاف السنين وليست محل جدل تاريخي او تشكيك او اعادة تقييم بحثي واستقراء اولي وموضوعي لانجازات الفعل الحضاري في تاريخ هذه الشخصية منذ عهد الخليفة الاول منذ عصر السومريين والاشوريين والبابليين ثم عصر الفتوحات الاسلامية الكبرى ومروراً بعصر العباسيين الذهبي والنهضة العمرانية الفكرية الواسعة فيه وانتهاءً بعصرنا هذا؛ ويؤكد اننا وبتجرد وموضوعية في حضرة ذات فاعلة حيوية جادة ايجابية تعتريها رغبة دائمة بالتطور جريئة شجاعة متفاعلة كريمة مقدامة وان بعض مساحات فعلها تتعدى رقعة العراق الجغرافية الصغيرة نسبياً الى مساحة الجنس البشري برمته ولعل الكتابة والعجلة وارث التجربة الانسانية في باكورتها الاولى، وابراهيم عليه السلام وعلي بن ابي طالب رضي الله عنه وصلاح الدين الايوبي والمعتزلة وشكيمة وقوة الجيش العراقي وثورة 1920، ونصب الحرية واخيراً جهادية الشعب العراقي في مواجهة المحتل وغيرها كثير خير دليل على فاعلية وتاريخية وحضارية هذه الذات وفق ما قيمت وفقه وظلمت فيه في معظم دراسات الدكتور علي الوردي ومن نهج نهجه. وقبل ان نخوض قليلاً في تحديد اوليات الاجابة على سؤالنا السالف الذكر (ما هي ضرورة ان نبحث مقومات الشخصية العراقية على ابواب الالفية الثالثة) نعرج قليلاً على استعراض اولي لسلوكيات الأمم والشعوب لتاطير اجابتنا بخلفية تاريخية انسانية تاخذ من انماط السلوك البشري العام ووحدة التجربة الانسانية معياراً اساسياً في تقييمها للشخصية العراقية تقييماً موضوعياً ينأىبنفسه قليلاً عن الاهواء والظنون ولا يكتفي بتقيمها في لحظات انكفائاتها التاريخية انحيازاً لهواه او تعبيراً عن عقدة التاريخية ازاءها. فنقول (تحدد الامم الشعوب الدول القبائل الجماعات البشرية عبر عملية معقدة وطويلة الامد نسبياً تساهم فيها عشرات العوامل: الزعامات السياسية، والاجتماعية والفكرية والعقائدية والارث الثقافي والدين والتاريخ والصراعات والارض والعوامل الجغرافية والمصالح والمصالح المضادة والاهداف وقوة المتغير الداخلي والخارجي وعشرات العوامل الاخرى تحدد (الامم الشعوب الخ..) ذاتاً ما، هوية ما تلخص وجودها وترسم لها تفردها وتميزها عن غيرها بما هو متناسب ومصالحها العليا وارثها الثقافي وتحافظ عليه من الذوبان والتلاشي في غيرها. بمعاينة تاريخية حضارية عقائدية- نقترب من اجابتنا- وبعيداً عن الغوص في التفاصيل الصغيرة (داء دراسة التاريخ) كما سماها (نيتشه) سافترض جدلاً ان روح العدوان التاريخي الذي شن علينا والذي توج اخيراً بالحرب الامريكية البريطانية الاستعمارية ما شن علينا إلا جلباً للمصالح العليا لتلك الدول وفق ما يشاع في كثير من كتابات وتحليلات هنا او هناك ما شن علينا وفقاً لـ(هيا الى الارض التي تفيض لبناً عسلاً) على ما جاء في خطابات ذلك القس الصليبي في الحروب الصليبية ما شن علينا لأننا وبطريقة ما تقاطعنا مع مسارات سياسة امريكا الاستراتجية، او لاننا شكلنا خطراً على دول الجوار اولاننا هددنا السلم العالمي وما تمخض عن العهد السابق وما بلغه من اللاانسجام ما يستوجب تحريرنا وتحرير البشرية من طوفانها انما شن علينا وباختصار شديد للاجهاز على ذاتنا وعلى هويتنا الحضارية لتهميشها واذابتها في هويات تجزئية تغريبية خاملة وبالتالي قتل فاعليتها ومحتواها الحضاري كمسعى استراتجي حضاري مركزي واساسي لتوجهات الغرب الامريكي اليهودي الصليبي تواصلاً مع رسالة الرجل الابيض في استعباد الشعوب ممزوجاً برؤية واستراتيجية الهيودية العالمية.. لقد شكلت ذاتنا نحن العراقيين في قواهم الفاعلة ممزوجة برائحة التاريخ والفروسية العربية بفاعليتها التاريخية هذه راساً تاريخياً عظيماً في جسدي الامتين العربية والاسلامية في حين شكلت ما تستهدفه المصالح الاميريكة اليهودية الغربية من ثروات وبسط نفوذ وهيمنة سياسية على العالم اجنحة ذلك الرأس، ولكي تكسب حرباً استراتيجية فالاولى بك ان تبادر الى سحق ذلك الرأس اما الاجنحة فقد تكسب حربها بدون حرب اصلاً، او (نصراً بلا حرب) على ما جاء في رسم توجهات نكسون للسياسة الامريكية. ما هي مقومات الشخصية العراقية.. وما هي حقيقة عمق الارث التاريخي فيها، وما هي طبيعة الدور الذي اناطته بنفسها وهل نرجيه لانتماء تلك التي تدفعنا على التركيز على هذه الشخصية ام هي حقيقة تاريخية يعول عليها في رأب الصدع الذي تتعرض له الامة، ذلك ما سنتعرض له في قراءات اخرى ان شاء الله. |