التوكل على الله   عدد القراء : 1266   .

كي نتكلم عن (التوكل على الله) لا بد ان نتكلم اولا عن اسم من اسماء الله الحسنى وهو اسم الوكيل.
الوكيل: هو الذي يتصرف برحمته في شؤون عباده .. بما يصلحهم ولا يفسدهم، وهذا هو فعل الله تبارك وتعالى بالناس، فهو يتصرف برحمته في شؤون عباده ولا يضيعهم لذلك فان الله لا يضر أبدا كل افعاله لك خير حتى ولو كان ظاهرها مصائباً، فالوكيل لا يضيع عباده ابدا.
وهذا اليقين لا بد ان يكون راسخا داخلنا لذلك فعندما ننظر الى النبي صلى الله عليه وسلم يدعو كل ليلة ويقول لبيك ربي وسعديك والخير كله لديك والشر ليس اليك. اي لا ياتي من عندك غير الخير.
ولعل هذا يفسر لنا كيف تحدث لنا مصائب كذا وكذا ثم نجد آخرها خيرا لنا.. فمثلا قد يبتلى احد الناس بموت ابنه اوسرقته.ولكن يموت الابن او يصاب بالأذى فيضاعف الابوان طاقتهما في العبادة فيرضى الله عنهما ويلحق الابن جنة الفردوس وهو راض عن الاسرة كلها.. قد يظن البعض ان الله اراد بهم شرا. لكنه والله ما اراد بها الا خيرا..
من يمنعك مني؟
رجل يأتي الى النبي صلى الله عليه وسلم وهو نائم وقد علق سيفه على الشجرة.. فياتي الاعرابي الكافر يريد قتل النبي صلى الله عليه وسلم فيأخذ السيف من على الشجرة ويضعه على رقبة النبي صلى الله عليه وسلم فيستيقظ النبي صلى الله عليه وسلم ويجد السيف على رقبته والرجل يقول: من يمنعك مني. فيقول له النبي صلى الله عليه وسلم (الله) عندها يسقط السيف من يد الرجل من قوة الكلمة وصدقها فيأخذه النبي صلى الله عليه وسلم ويقول له: وأنت من يمنعك مني؟ رواه البخاري.
لكي نعرف هل توكلنا على الله.. هل لدينا هذه الثقة، هناك صنفان من الناس، صنف ضعيف الايمان ويجزع عندما يجد اسباب الدنيا قد تاخرت. ويقصد بالاسباب الحظوظ الدنيوية المادية.. كلما تأخرت الاسباب قلَّ يقينه بالله تعالى.. وصنف مؤمن صادق.. كلما ادبرت الدنيا ازداد يقينه بالله، لماذا؟ لانه ما دامت هناك اسباباً يعتمد عليها فلن يركن الى الدنيا ولو قليلا..
ولكن عندما تنقطع بك الاسباب فلا يبقى لك سوى الله.. وفي بعض الاحيان تُظلْم الدنيا تماما وتُغلق كل الابواب وكأن الله يريد الا يبقى لك غير بابه.. ولعل دعوة النبي صلى الله عليه وسلم لقريش تضرب لنا المثل على ذلك.
فعندما كان يشتد ايذاء قريش للنبي صلى الله عليه وسلم كانت هناك صخرتان. صخرة خارج البيت وهي عمه ابو طالب الذي كان يخافه المشركون واخرى داخل البيت وهي السيدة خديجة رضي الله عنها والتي كانت تخفف عنه الايذاء.ولكن يشاء الله ان يموت الاثنان في سنة واحدة، وبينهما شهرين فقط.. انه الوكيل يتصرف كيف يشاء فلم يموتا بعد ان انتشرت الدعوة واكتمل الاسلام، ولكن اراد الله ان يموتا في وقت كان النبي صلى الله عليه وسلم احوج ما يكون اليهما.. وكأن الله بذلك اراد ان يقول لنبيه صلى الله عليه سلم مالك من وكيل سواي..
فماذا فعل النبي صلى الله عليه وسلم بذل مجهودا اكثر ومشى مائة كيلو متر على قدميه حتى يدعوا اهل الطائف وكأنه يقول لله: انا متوكل عليك لاخر الطريق وانا راضٍ بما تفعله. 
ما بالك باثنين الله ثالثهما
اذا اردنا ان نتعلم التوكل حقيقة ننظر الى قصة هجرة النبي صلى الله عليه وسلم التي تظهر لنا حقيقة التوكل والاخذ بالاسباب. فقد اخذ النبي صلى الله عليه وسلم في الهجرة باحدى عشر وسيلة من اسباب الدنيا فلم يترك شيئا من التخطيط السليم الا فعله.. يخرج من بيته في وقت متاخر من الليل حتى لا يشعر به الكفار.. ثم يذهب الى بيت ابي بكر في منتصف النهار.. حيث يقول ابو بكر. جاءنا في وقت لم نعهد ان يأتنا فيه.. وذلك حتى يضلل قريشا ويخبر النبي ابا بكر بأمر الهجرة. فيخرجان من كوة في مؤخرة البيت (الباب الخلفي).. ثم يسلكان طريق الجنوب، بالرغم من ان المدينة باتجاه الشمال.. حتى لا يعثر عليهما المشركون الذين يمسحون طريق الشمال الى المدينة ثم يمكثان في غار ثور ثلاثة ايام زيادة في التمويه والاحتياط ويأتيهما عبد الله بن ابي بكر بأخبار قريش. وتأتيهما اسماء بنت ابي بكر بالطعام والشراب.. انظر الى التخطيط السليم.. فلن يتخيل احد من قريش ان أمراة تحمل لهم الزاد حتى ولو كانت بنت ابي بكر..وايضا لا يمكن ان يتخيلوا ذلك لانها كانت حاملا في سبعة اشهر.
آثار الأقدام
يرسل ابو بكر راعي غنمه عبد الله ابن فهيرة فيمرر غنمة كل يوم على الطريق الذي تمشي فيه اسماء وكأنه يرعى الاغنام فلا يشك به احد. ولكن بعد هذا التخطيط هل وصلوا اليهم الكفار.. نعم وصلوا. ألم يصلوا حتى باب الغار؟ وكأنك تقول بعد هذا التخطيط لا يصلوا اليهما.. لا هذا بمنطق البشر ولكن بمنطق الوكيل اراد سبحانه وتعالى ان يصلوا اليهما.. حتى يعلم النبي صلى الله عليه وسلم ويعلمنا جميعا معنى التوكل على الله..وان الاخذ بالاسباب مع التوكل هي التي تنجي. ويصل المشركون امام الغار.. ويقول ابو بكر للرسول صلى الله عليه وسلم لو نظر احدهم تحت قدميه لرءانا.. ويرد النبي صلى الله عليه وسلم (ما بالك بأثنين الله ثالثهما، لا تحزن ان الله معنا).
ولو رجعنا الى التأريخ نجد دائما في الغزوات والحروب الاسلامية ان المسلمين كانوا اقل في العدد والعدة.. سواء في بدر او احد او مؤتة..وكم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة باذن الله.
اللهم نسألك ان تبارك لنا في العًُدة والعدد. والنصر على الاعداء يا رب العالمين.