| العراق مائة عام من الاحتلال/هيفاء زنكنة   عدد القراء : 727   .
اجرى الرئيس الامريكي جورج بوش، يوم الاربعاء الماضي، محادثات أخرى عبر دائرة تلفزيونية مغلقه مع رئيس وزراء حكومة الاحتلال نوري المالكي وقائد قوات الاحتلال الامريكية في العراق الجنرال ديفيد بتريوس والسفير الامريكي رايان كروكر. بعد المحادثات، بشر بوش العالم في مؤتمر صحفي مرة أخرى، في البيت الابيض، بأن حديثه مع الثلاثة كان حول استراتيجية الولايات المتحدة الجديدة في العراق التي بدأت العام الماضي . وان هذه الاستراتيجية تنقسم الى عناصر رئيسية اولها ارسال المزيد من القوات العسكرية لحماية العراقيين من العناصر التي وصفها بالإرهابية والمليشيات غير القانونية والثانية بدأت بشن هجمات مكثفة لإخراج المسلحين من معاقلهم التي كانوا يتحصنون فيها والثالثة ارسال فرق اضافية لإعادة الإعمار في العراق. موضحا بان فرق اعادة الإعمار الأمريكية تقوم بمساعدة العراقيين على تحقيق مشروع المصالحة الوطنية. ويمكننا اعتبار التصريح الصحفي موجزا لاستمرارية سياسة ادارة بوش في العراق المحتل في الشهور الاخيرة السابقة للانتخابات الرئاسية، مع نفس الأعداء المقربين انفسهم الى قلب الادارة الامريكية وهي تحاول إبقاء الناخبين في صفوف الوطنية الأمريكية: الارهاب والمسلحين المتمردين والقاعدة. وهو مؤشر لسياسة الحكومة المقبلة المماثلة اذا كان الفائز بالانتخابات الرئاسية جمهوريا او مع بعض التغيير الطفيف اذا كان ديمقراطيا، ما لم يحدث تغيير مفاجئ في توازنات القوي الامريكية الداخلية او العالمية. ويبقى المصدر الرئيسي الممكن لمثل هذا التغيير في يد المقاومة العراقية على صعيدي الحاق الخسائر العسكرية والبشرية بالعدو واستنزاف طاقاته وقطع خطوط امداده بالتجهيزات علي ارض الوطن وايقاف مصادر تمويله بالطاقة. وهذا الأخير قد يعني ايقاف ضخ النفط العراقي الذي لم ير منه ابناء الشعب غير الفتات بينما صار مصدرا اساسيا لتمويل الحرب بكل انتهاكاتها وجرائمها علي ابناء الشعب ان لم يكن قتلا فسرقة ونهبا. ولا شك ان عمليات المقاومة ومساندة الشعب لمقاومته الباسلة في استهدافها للعدو هي النقطة الجوهرية والمحك في افشال رسم سياسة ترسيخ الوجود الامريكي في العراق عبر بناء القواعد العسكرية الدائمة وربطه بمعاهدات اقتصادية ونفطية تحرمه من مصادر ثروته وبالاتفاق مع حكومة الاحتلال تحت مسميات على شاكلة اتفاقيات الصداقة والتعاون الاقتصادي والامني المؤمل التوقيع عليها في شهر تموز المقبل، كما أعلن هوشيار زيباري، وزير خارجية حكومة الاحتلال. وتعتبر صفقة توقيع معاهدات القواعد الامريكية الدائمة ضرورية لدى الادارة الامريكية اذا ستكفل لها السيطرة الدائمة علي العراق بدون الخسارات البشرية التي تتعرض لها الآن وستوفر لها استمرارية استخدام عملائها كدروع بشرية لحماية قواتها والاساءة في الوقت نفسه الى سمعة المقاومة العراقية. وكان جورج بوش قد صرح بان القوات الامريكية ستبقي في العراق مدة (50) عاما، بينما أخبرنا السيناتور جون ماكين وهو المرشح الاقوى للفوز بترشيح الحزب الجمهوري للمشاركة في الانتخابات الرئاسية المقبلة، في مقابلة أجراها يوم 3 من الشهر الحالي، ردا علي تعليق لاحد الصحفيين جاء فيه : لقد تحدث الرئيس بوش عن بقائنا في العراق مدة خمسين عاما... فقاطعه ماكين بسرعة قائلا: اجعلها مائة عام. حاول الصحفي ان يستوضح قائلا هل هذا؟ فقاطعه ماكين ثانية قائلا: لقد بقينا في اليابان ستين عاما ونحن في كوريا الجنوبية منذ(50) عاما تقريبا . هذه مسألة مقبولة لدي. مادام ... الامريكيون لايتعرضون للأذى او يجرحون أو يقتلون. هذا مقبول لدي وارجو ان يكون مقبولا لديك ايضا ان نواصل حضورنا في منطقة متأزمة من العالم حيث تقوم القاعدة بتجنيد وتدريب وتزويد الناس بالسلاح في كل يوم . ولابد ان نجاح المقاومة العراقية في قتل(9) من جنود الاحتلال الامريكي، يوم الأربعاء الماضي، أي بعد يوم من فوز ماكين في انتخابات هامبشاير الاولية، قد ضبب بعض الشيء الصورة الوردية التي رسمها للرأي العام الامريكي عن دعمه لادامة الاحتلال في العراق مدة مائة عام. واذا ما التفتنا الي النقطة الثالثة في الاستراتيجية الامريكية الجديدة، وهي واحدة من عدة استراتيجيات، يعلنها المحتل مرة، كل ستة اشهر تقريبا، بحثا عن طريق يحفظ للاحتلال ماء الوجه ظاهريا ويزوده بالنفط والموقع الاستراتيجي خفية، لوجدناها هي النقطة ذاتها التي تحدث عنها عندما اعتلى، ظهر حاملة الطائرات يو إس إس ابراهام لنكولن، قبالة ساحل كاليفورنيا، يوم الاول من ايار 2003، قائلا وامام انظار العالم اجمع ( في معركة العراق انتصرت الولايات المتحدة وحلفاؤنا. والان فان تحالفنا منغمر في تأمين واعمار ذلك البلد). ثم عاد وختم خطابه بالقول ان (الاهداف الرئيسية لامريكا هي اعادة اعمار العراق). وكأن بوش والمتعاونين معه قد اصيبوا بفقدان الذاكرة الانتقائي، اذ ها هو يعود اليوم، وبعد مرور ما يقارب الخمسة اعوام على وجود قوات الاحتلال ومع توفر الميزانية الهائلة وخدمة العملاء، ليتباحث مع المالكي حول جدية التفكير بمشروع اعمار العراق. فما معنى اعمار العراق علي ارض الواقع؟ معناه ان فترة التزود بالكهرباء في بغداد، مثلاً، هي أقل من مستواها حتى عما كانت عليه تحت الحصار الذي استمر (12) عاما ونيفاً. والآن بعد خمس سنوات من الغزو يأمل وزير الكهرباء ان تتمكن وزارته الى رفع مستواها في عام 2011 لتصل مستوى ماقبل الغزو. ويعتقد الكثيرون من العراقيين بان الوزير متفائل جدا. لأن مشروع اعمار العراق، الذي بات بالنسبة الى المواطنين سرابا، هو في الواقع كنز لايفنى بالنسبة الى ادارة الاحتلال والمتعاقدين الامريكيين والمحليين العراقيين وبضمنهم سياسيي حكومات الاحتلال المتعاقبة ذوي المحاصصة السياسية والعرقية و(الاعمارية). وقد بلغ المبلغ المخصص لاعمار العراق واختفى بدون معرفة سبل الانفاق(22) مليار دولار حسب صحيفة الـ واشنطن بوست بتاريخ 17 كانون الاول 2007. وقد اطلقت الصحيفة على المشروع اسم لعنة اعمار العراق حيث ان كل من اتصل بقضايا الاعمار في العراق لم يخرج منها الا بيد ملوثة او بتهمة التلوث. وآخر المتهمين هو كبير مفتشي مكتب التحقيق في كيفية انفاق اموال الاعمار الامريكية . وكان مكتب المفتش العام لإعادة اعمار العراق (سيغير) قد انشئ بقرار من الكونغرس عام 2004، للعمل كرقيب على جهود احلال الاستقرار، عن طريق بناء المستشفيات والمدارس وتدريب قوات الامن وزيادة انتاج الطاقة الكهربائية. الا انه سرعان ما صار مكتبا للتحقيق في حالات إهدار الأموال ليتم أخيرا الاعلان عن التحقيق في ممارساته هو الآخر حول سبل الإنفاق وسوء الادارة. ومن الجدير بالذكر ان مدير المكتب كان مستشارا خاصا لبوش. وتكاد قصته أن تكون نسخة أمريكية لما حدث لمفوضية النزاهة العراقية تحت الإحتلال. وأظن ان نوري المالكي نفسه، على تماهيه الكلي مع لعبة الاحتلال الامريكية، قد ابتسم ابتسامته الملتوية عندما حدثه بوش عن ارسال المزيد من(فرق اعادة الإعمار الأمريكية لتقوم بمساعدة العراقيين على تحقيق مشروع المصالحة الوطنية) . فالكل يعلم ان مصطلح المصالحة الوطنية لم يعد صالحا حتى للاجترار وان ترجمة تصريح بوش على ارض الواقع يذوقه العراقيون بشكل مختلف. حيث قامت قاذفتان من طراز بي ـ 1 وأربع مقاتلات اف ـ 16، يوم الخميس، 10 كانون الثاني 2008 بالقاء قنابل ثقيلة زنتها(40) ألف رطل على جنوبي بغداد، في هجوم كبير جاء كعقاب جماعي حسب الاسلوب الصهيوني ضد المواطنين، وردا على نجاح المقاومة في استهداف جنود الاحتلال. وكالعادة، ادعى جيش الاحتلال في بيان له ان الطائرات الامريكية القت القنابل على (اهداف تابعة للقاعدة). كما شنت قوات الاحتلال عملية الحصاد الحديدي وهي جزء من عملية تدعي العنقاء الشبح ويشارك فيها 24 الف امريكي و50 الف عراقي تشمل بغداد وضواحيها الجنوبية اضافة الى المحافظات الشمالية ديالي وصلاح الدين والتأميم ونينوى. وحسب نتائج العمليات السابقة الكارثية التي ادت الى مضاعفة عدد المعتقلين الابرياء وقتل الآلاف واسكات الاصوات المستقلة لمجرد مناهضتها الاحتلال، نتوقع ان تكون العمليات الجديدة حملة ابادة جماعية منظمة ومكرسة لفائدة المتواطئين مع الاحتلال لزيادة ربحهم السريع من صناعة الموت وترويج الخيانة. اما بالنسبة الى ماكين الحالم بالبقاء محتلا في العراق مائة عام فانه يفترض متغابيا بان التوسع الامبراطوري سيستمر بدون ان تسيل الدماء الأمريكية، وان العراق بلا شعب يحميه ويدافع عنه ويصونه. |