| أثر الفهم الصحيح لمعنى التشريع في سلوك المسلم   عدد القراء : 1335   . إن التأثيرَ الناهضَ الذي يحدِثهُ الفهمُ الصحيح لمعنى التشريعِ في سُلوك المسلم، أمرٌ ظاهر يلمَسهُ الناس ويحترمونَهُ، فضلاً عما له من تأثيرٍ في تصحيح النيَّة في الطاعة لله عَزَّ وَجَلَّ واستقامةِ العمل بالشريعة، ويكون المكلَّف إيجابياً فاهماً معنى التشريعِ حين يتأهَّلُ بالعلمِ، وذلك بأن يسعى لتحصيلِ شيءٍ من العلومِ المعتبرة في الاجتهاد؛ فيتلقَّى الأحكامَ من الفقهاء على قدرِ تحصيله، وإلا فهو عاميٌّ عاجزٌ. وأن يعرف قَدْرَ نفسه في الإدراكِ حين التلقِّي أو قدراته على ما يمكنهُ من النظرِ والدرس بوصفه مبتدئاً في طلبِ العلم أو مقتَصِداً مُشرفاً على أبوابِ الاستنباط والترجيح. عن عائشة رَضِيَ اللهُ عَنْهَا قالت: ( أَمَرَنَا رَسُولُ اللهِ أَنْ نُنْزِلَ النَّاسَ مَنَازِلَهُمْ). والْحُكْمُ الشَّرْعِيُّ هُوَ خِطَابُ الشَّارِعِ الْمُتَعَلِّقُ بِأَفْعَالِ الْعِبَادِ. فيثبت الحكمُ الشرعيُّ بثبوتِ الخطاب، ويتبيَّن ما هو بتبيُّن معنَى الخطابِ. وخطابُ الشَّارع هو ما جاءَ في الكتاب والسُّنة من أوامرِ ونواهي. ولذلك كان فهمُ الحكمِ الشرعيِّ متوقِّفاً على فهمِ الكتاب والسُّنة، فإنَّهما أصلُ التشريعِ ومصدرُ الأحكامِ. إلاّ أنه ليسَ كُلُّ خطابٍ للشَّارع يجبُ القيام به، ويعاقبُ على تركهِ، أو يحرمُ الإقدام عليه، ويعاقَبُ على فعلهِ. بل يتوقَّفُ ذلك على نوعِ الخطاب. ومن هنا كان من الأثْمِ وَالْجُرْأَةِ على دِين الله، أن يُسَارِعَ شخصٌ للتصريحِ. بأنَّ هذا فرضٌ لأنه قرأَ آية أو حديثاً دلَّ على طلبِ القيام به، أو يسارعُ للفتوَى بأنَّ هذا حرامٌ لأنه قرأَ آية أو حديثاً دَلَّ على طلبِ تركه. وقد بُلِيَ المسلمونَ في هذه الأيَّام بكثيرٍ من أمثالِ هؤلاء الذين يُسارعون للتحليلِ والتحريم، بمجرَّدِ قراءَتِهم الأمرَ أو النهي في آيةٍ أو حديث. وأغلبُ ما يكون هؤلاء من الذين اكتشفُوا أنفسهم أنَّهم يفهمونَ قَبْلَ أن يفهَمُوا، ونادِراً ما يكونُ من الذينَ يفهَمُون معنى التَّشريعِ. ولذلك كان لا بدَّ من فَهْمِ نوعِ خطابِ الشَّارع، قبل إعطاءِ الرأي في نوعِ الحكم الشرعيِّ. أي لا بدَّ من فَهْمِ معنى الحديثِ أو الآية فهماً تشريعياً- لا فَهماً لُغوياً- فحسب، حتى لا يُخطِئَ المسلمُ فيحرِّم ما أحلَّ اللهُ ويحلِّلَ ما حرَّمه. وخطابُ الشارع يُفْهَمُ بالنصِّ، وبالقرائنِ التي تُعَيِّن معنى النصِّ فليس كلُّ أمرٍ للوجوب ولا كلُّ نَهيٍ للتحريم، فقد يكون الأمرُ للندبِ أو الإباحة، وقد يكون النهيُ للكراهةِ. فاللهُ تعالى حين يقول: (قَاتِلُواْ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَلاَ بِاليَوْمِ الآخِرِ وَلاَ يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللهُ وَرَسُولُهُ...) الآية، فإنه يأمرُ بالجهادِ. وهذا الأمرُ في هذه الآيةِ فرضٌ، يعاقِبُ اللهُ على تركه. ولكن كونَ هذا فرضاً لَم يأتِ من صيغةِ الأمر وحدها، بل أتَى من قرائنَ أخرى غيرها، دلَّت على أن هذا الأمرَ طلبٌ للفعلِ طلباً جازماً. ولهذه القرينةُ نصوصٌ أخرى، مثل قولهِ في آيةٍ ثانية: (إِلاَّ تَنْفِرُواْ يُعَذِّبْكُمْ عَذَاباً أَلِيماً)وحين يقولُ اللهُ تعالى: (وَلاَ تَقْرَبُواْ الزِّنَا) فإنه ينهَى عن الزنا، وهذا النهيُ في هذه الآية تحريمٌ للزِّنا، يعاقِبُ الله على فعلهِ. ولكن كون هذا حراماً، لَم يأتِ من صيغةِ النهي وحدها. بل أتَى من قرائنَ أخرى غيرها دلَّت على أنَّ هذا النهي طلبٌ للتركِ طلباً جازماً. ولهذه القرينةُ نصوصٌ أخرى - مثل قولهِ في نفس الآية: (إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلاً)(3) وقولهِ في آية أخرى: (الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُواْ كُلَّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ). وحينَ يقولُ الرسولُ :( صَلاَةُ الْجَمَاعَةِ تعدل صَلاَةِ الْفَذِّ بِسَبْعٍ وَعِشْرِيْنَ دَرَجَةً) فإنه يأمرُ بصلاةِ الجماعة ولو جاء الطلبُ بغيرِ صيغة الأمر. وحين يقول: ( كُنْتُ نَهَيْتُكُمْ عَنْ زِيَارَةِ الْقُبُورِ أَلاَ فَزُورُوهَا). يأمرُ بزيارةِ القبور. إلاّ أنَّ هذا الأمرَ، أو هذا الطلبَ، في هَذين الحديثَين مندوبٌ وليس بفرضٍ، وكونه مَندوباً آتٍ من قرائنَ أُخرى، مثل سُكوتهِ عن جماعةٍ صلَّوا منفردينَ، وسكوتهِ عن أُناس لَم يزورُوا القبورَ. فدلَّ على أنه طلبٌ غير جازمٍ. وحين يقولُ الرسول: (مَنْ كَانَ مُوسِراً فَلَمْ يَنْكَحْ فَلَيْسَ مِنَّا). وحين نقرأُ نَهي النبيِّ عن التَّبتُّلِ، أي عن عدمِ الزَّواج في الحديثِ عن سَمُرة: أَنَّ النَّبِيَّ نَهَى عَنِ التَّبَتُّلِ نجدُ أن الرسول ينهَى عن عدمِ الزواجِ للموسرِ في الحديث الأول، وينهَى عن عدمِ الزواج مُطلقاً في الحديثِ الثانِي، ولكن ليس معنَى ذلك أنَّ عدمَ الزواجِ للموسرِ حرامٌ، وعدمَ الزواج مُطلقاً حرامٌ. بل هذا النهيُ يدلُّ على أنه مكروهٌ وليس بحرامٍ. وكونهُ مكروهاً فقط آتٍ من قرائنَ أخرى، من مثلِ سُكوتهِ عن بعض الموسرينَ وهو يعرفُ أنَّهم لَم يتزوَّجوا، وسُكوتهِ عن بعض الصحابةِ وهم لَم يتزوَّجوا. وحين يقولُ اللهُ تعالى: (وَإِذَا حَلَلْتُم فَاصْطَادُواْ وحين يقول تعالى (فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّـلاَةُ فَانْتَشِرُوا) . فإنه يأمرُ بالصَّيد بعد فكِّ الإحرام، ويأمرُ بالانتشارِ بعد الصلاةِ، ولكن هذا الأمرَ لا يدلُّ على أن الصيدَ بعد فكِّ الإحرام فرضٌ ولا مندوبٌ، ولا على أنَّ الانتشارَ بعد صلاةِ الجمعة فرضٌ ولا مندوب، بل يدلُّ على أنه مباحٌ. وكون هذا مُباحاً، جاءَ من قرينةٍ أخرى، وهو أنَّ اللهَ تعالى أمرَ بالصيدِ بعد الإحرام، وكان قد نَهَى عنه قبلَ الإحرام. وأمرَ بالانتشارِ بعد صلاةِ الجمعة، بعد أن كان قد نَهى عنها عندَ صلاةِ الجمعة. فدلَّت تلك القرينةُ على أن هذا الأمرَ للإباحةِ، وأنَّ الصيدَ في هذه الحالةِ، والانتشارَ في تلك الحالة مباحٌ. وعلى ذلك فإن معرفةَ نوعِ الحكمِ من النصِّ، تتوقفُ على فَهْمِ النَّصِّ فَهْماً تَشْرِيْعِيّاً بِرَبْطِهِ بِالْقَرَائِنِ الَّتِي تَدُلُّ عَلَى مَعْنَى الْخِطَابِ فِيْهِ. ومن هنا يتبينُ أن الأحكامَ الشرعية أنواعٌ. ويظهرُ من تَتَبُّعِ جميعِ النصوصِ والأحكام أن الأحكامَ الشرعيَّة خمسةٌ هي: الفرضُ: ومعناه الواجبُ، والحرامُ: ومعناه الْمَحظورُ، والمندوب والمكروهُ والمباح. لأن خطابَ الشارع إمَّا أن يكون طَلباً للفعلِ، أو طَلباً للتركِ، أو تخييراً بين الفعلِ والترك. والطلبُ إما أن يكونَ جازماً، أو غيرَ جازمٍ. فإن كان طلبُ الفعلِ جازماً فهو الفرضُ، وإنْ كان غيرَ جازم، فهو المندوبُ. وإنْ كان طلبُ التركِ جازماً فهو الحرامُ، وإنْ كان غيرَ جازمٍ، فهو المكروهُ. وطلبُ التخييرِ هو المباحُ. وَمِنْ هُنَا كَانَتِ الأَحْكَامُ الشَّرْعِيَّةُ خَمْسَةً لَيْسَ غَيْرَ هِيَ: الْفَرْضُ، وَالْحَرَامُ، وَالْمَنْدُوبُ، وَالْمَكْرُوهُ، وَالْمُبَاحُ. |