| على أبواب العام الخامس للاحتلال في العراق/د. حسن طوالبة   عدد القراء : 699   .
ها هو احتلال القوات الامريكية للعراق يقترب من عامه الخامس. ولم يتحقق شيء مما وعدت به الادارة الامريكية عندما روجت للغزو واحتلال العراق........
كل ما حققه الاحتلال هو اسقاط نظام صدام حسين, وتقديم رموز النظام لمحاكمة شكلية واعدام عدد منهم من دون تقديم ادلة قاطعة ضدهم إضافة الى مخالفة المحكمة لنصوص الدستور العراقي الذي صدر في عهد النظام السابق. واذا كان هذا انجازا باعتقاد الادارة الامريكية, ورموز النظام الحالي المتحالف معها فان سقوط النظام السابق وضع البلاد في حمام الدم الذي شهده العراق خلال سنوات الاحتلال. اما قرار حل الجيش العراقي وكل الاجهزة الامنية المتمرسة والقادرة على حماية امن العراق, فهو لم يخدم الا الكيان الصهيوني, لأن لديه عقدة من هذا الجيش الذي قاتل الصهاينة في اعوام ( 1948، 1967، 1973 ،1982 ،1991) كما شارك عدد كبير من المجاهدين العراقيين من قبل في ثورات فلسطين، وقرار الحل وضع العراق في فراغ امني كبير, ونشر فوضى عارمة, افضت الى عنف وارهاب طائفي راح ضحيته مئات الالوف من الابرياء كبارا وصغارا، والوف الوطنيين من العلماء واساتذة الجامعات والاطباء والمهندسين.. كما قاد الى تهجير الملايين من ديارهم داخل العراق وخارجه، حتى صارت مشكلة المهجرين مشكلة عالمية تثير اهتمام وتعاطف كل المنظمات الانسانية في العالم, في حين لم تبادر الادارة الامريكية, التي تتشدق بانها راعية حقوق الانسان والديمقراطية في العالم، لم تبادر الى الدعوة لعقد مؤتمر دولي - كما تقترح في كثير من القضايا - حول مشكلة المهجرين وتقديم العون لهم, رغم ان قوات الاحتلال مسؤولة عن هذا الملف لانها هي التي تسببت في حدوث هذه المشكلة. حققت الادارة الامريكية ديمقراطية بمقاسات طائفية في العراق, تمخضت عن تشريع دستور يكرس الانقسام الطائفي تحت ذريعة نظام فدرالي, وابرز ما في هذا الدستور هو اقرار نظام الفدرالية، واجراء استفتاء في كركوك لتقرير مصيرها وفق المادة 140 من الدستور الجديد, وهو الذي منح اكراد العراق فرصة ذهبية لترتيب اوضاع كركوك لكي تكون جاهزة للاستفتاء المقبل. ففي السنوات الماضية عملت سلطة مسعود البرزاني على تهجير العرب من كركوك واسكان اعداد كبيرة من الاكراد فيها، بحيث صارت رئاسة المدينة للاكثرية الكردية، ولم تمنح العرب والتركمان والاقليات الاخرى اية مواقع مسؤولة في ادارة المدينة. ويمكن القول ان احد اسباب الازمة بين تركيا وبين ادارة الحكم الذاتي في شمال العراق, هي ازمة كركوك، وتهميش القومية التركمانية فيها، اضافة الى ملف حزب العمال الكردي التركي الذي دخل مرحلة الصدام المسلح. فتح الاحتلال الامريكي ابواب العراق لتدخل القوى الاقليمية في الشؤون الداخلية لهذا البلد, بحيث صار مرتعا لشبكات التجسس الايرانية والصهيونية ودول في المنطقة, حتى صار تدخل بعض الدول مثل ايران احدى المشكلات المستعصية الحل. لان هذا التدخل لم يعد يقتصر على فرق التجسس، بل تعدى ذلك الى التدخل في الادارات المحلية, والتدخل في الشأن الاقتصادي، بحيث صارت العملة الايرانية (التومان) عملة رائجة في الاسواق العراقية خاصة في محافظات الجنوب. وبفعل هذه الازمة عرف ما يسمى بمؤتمرات دول الجوار العراقي, التي تعقد بين فترة وقد تحول هذا المؤتمر من مهمة الحفاظ على امن العراق والبحث في السبل الكفيلة لتحقيق الامن للعراقيين وحقن دمائهم ومنع تهجيرهم بالقوة، تحولت هذه المؤتمرات من هذه المهمة التي لم تتحقق حتى الآن, الى مهمة منع انتشار العنف والارهاب من العراق الى خارجه, اي الى دول الجوار العراقي. ولم يقتصر حضور المؤتمر على الدول المجاورة فقط - حسب تسميته - بل صارت قوى دولية تحضره لا سيما الادارة الامريكية والامم المتحدة. وفي المؤتمر الاخير, اقترحت ايران بلسان وزير خارجيتها منوشهر متكي ان تحل قوات ايرانية وسورية وعربية محل القوات الامريكية في العراق ، الامر الذي اثار حفيظة القوى السياسية العراقية المعارضة التي ابدت رفضها للمقترح لانه يقضي باحتلال قوات لها اطماع في العراق محل قوات لها اطماع ايضا في العراق. وهذا المقترح يؤشر الى نوايا ايران التي فتحت الادارة الامريكية لها ابواب العراق لكي تتدخل فيه كما تشاء وبما يحقق اجندتها السياسية في المنطقة, وبالذات فيما يتعلق بالملف النووي الايراني. فايران تمسك الولايات المتحدة من يدها الضعيفة في العراق. فهي تقايض الادارة الامريكية على اكثر من ملف, فهي يمكن ان تتنازل عن نفط العراق للولايات المتحدة مقابل دور سياسي لايران في العراق. وعليه فانها تقابل الولايات المتحدة بقنبلة العراق البشرية المدعومة من ايران, بملفها النووي, الذي تطمح ان يصل مستقبلا الى صنع القنبلة النووية , وقد تحقق لها ذلك بعد اعتراف الاستخبارات الامريكية بان ايران تخلت عن برنامجها النووي العسكري وفي هذا الملف تلعب كل القوى الدولية فيه بما تقتضي مصالحها. فالصين وروسيا لهما مصالح تجارية واقتصادية مع ايران, النفط بالنسبة للصين والسلاح والمفاعل النووي في بوشهر بالنسبة لروسيا. كما ان دول اوروبا تتعامل مع هذا الملف انطلاقا من مصالحها الخاصة ولذلك فان جميع الدول باستثناء الولايات المتحدة, ليست في عجلة من امرها لفرض المزيد من العقوبات على ايران. ورغم تشدق الادارة الامريكية بانها حريصة على وحدة العراق, فانها بتشريعها الدستور الجديد، اعطت القوى الطائفية والقومية فرصة لكي تلعب بالنار، وتمس سيادة العراق الموحد ارضا وشعبا، كما ان تعاملها مع اطراف الائتلاف الشيعي والتحالف الكردي قبل الاحتلال وبعده مهد الطريق امام افكار التقسيم الاداري والمالي خاصة بالنسبة للنفط المتوفر بكثرة في الجنوب والشمال. فالسياسة الامريكية خلال السنوات الماضية اقل ما توصف به هو الانتهازية البرغماتية، وعدم الادراك الشمولي لطبيعة العرب والعراقيين بخاصة. ولذلك فانها عملت وفق مبدأ الخطأ والصواب, وجعلت من العراق حقل تجارب، فتارة تقرب هذا الشخص، وتارة اخرى تنزع الغطاء عنه، وتارة تتعامل مع هذه الطائفة وتحارب الاخرى، وتارة اخرى تتقرب من الطائفة غير المرغوب فيها كما حصل في الانبار. رغم ادراك الادارة الامريكية ان وحدة القوى السياسية العراقية امر ضروري ومهم، الا انها لم تخطو خطوة جادة بهذا الاتجاه، كما ان الاطراف العربية ظلت متفرجة على ما يجري في العراق، ولم تتحرك الا عندما طالت نار الارهاب ثيابها في عقر دارها. وعليه فان خمس سنوات ستنقضى على احتلال العراق, والوضع العربي يزداد سوءا في كل جوانبه السياسية والاقتصادية، ولا يوجد بصيص امل في حل ازمة من ازمات المنطقة سواء في فلسطين او لبنان او السودان او العراق. |