حتى لا تختلط الألوان وتُزيّف الحقائق التأريخية   عدد القراء : 1451   .

رغم علمي يقينا ان ما نود طرحه هنا وتبيانه سوف يغضب اطرافا سياسية عديدة لها الكلمة الطولى اليوم في الخريطة السياسية العراقية الا انه نجد من الواجب الديني والاخلاقي والوطني ان يتم عرضها وتفصيلها بصورة واضحة للجمهور الكريم حتى يعلم حقيقة ما يجري اليوم على الساحة العراقية والقوى الدولية الصغرى والكبرى التي تحرك هذه ((التيارات المحلية)) وبالوجهه والكيفية التي تلائمها.. ففي اربعينيات القرن السابق نشر الباحث الفلسطيني ((خيري حماد)) بعنوان مفارق الطرق الى اسرائيل تناول فيه المفكر المذكور حقيقة انشاء وتأسيس الدولة اليهودية والغاية المتوخاة من ذلك.. ولكون ان موضوعا كهذا يأخذ منا صفحات وصفحات ولضيق الوقت والمساحة المنشورة اثرنا اختزال الموضوع كاملا بأستثناء ما يتعلق منها بالعراق حين يقول حماد ((ان العراق سوف لم ولن يستقر طالما هناك منطقة جبلية وعرة ذات أغلبية كردية وذات نزعة انفصالية قومية)).. وهذا الكتاب نشر في اواخر عام 1949 أي بعد اعلان دولة اسرائيل بعامين.. وقد يكون حماد مخطئا في ارائه او مصيبا ولكن في عام 2001 تحديدا نشر المؤرخ الكردي الشهير فؤاد عارف كتابا بعنوان ((مذكرات فؤاد عارف)) اوضح فيها هذا السياسي - العسكري كيف انه كان مرافقا خاصا للملك غازي القتيل وكيف انه اصبح اي عارف احد الضباط القياديين لانقلاب عام 1958 ((الجمهوري)) كما يوضح كيف انه كان (حلقة الوصل بين البلاط الملكي والملا مصطفى البرزاني بعدما اعلن البرزاني عام 1939 العصيان المسلح مطالبا الحكومة العراقية بمنح اقليمه الكردي الانفصال).. وحينما نقلب صفحات التأريخ السياسي لعراق ما بعد 1921 وهو عام ((الدولة العراقية)) الجديدة نجد ما يلي:
1- ان النزعة الانفصالية الكردية بدأت عام 1936 ولم يكن قاسم او عارف او البعث او صدام قد ظهروا على سطح السياسة العراقية. كما لم تكن مأساة حلبجة والانفال قد حدثت بعد وهذا يتفق عليه كل الباحثين والمؤرخين العراقيين والعرب بغض النظر عن توجهاتهم وميولهم.
2- لم نسمع او نشاهد او نقرأ ان الاحزاب الكردية في تلك الفترة كانت قد ادعت ان مدينة كركوك النفطية هي منطقة كردية.. وتشير كافة الاحصاءات الرسمية وشبه الرسمية الديموغرافية لمدينة كركوك من كونها مدينة تركمانية بالاصل ومن ثم العرب ومن ثم الاكراد في المنطقة الثالثة.
فمن الذي حوّل كركوك ذات النفط الستراتيجي وخلال فترة عامي الاحتلال ((الانكلو - امريكي)) الى مدينة كردية فجأة..
في حقيقة الامر ان خيري حماد وعجاج نويهض ((صاحب كتاب بروتوكولات بني صهيون)) كانا قد اصابا كبد الحقيقة حينما توصلا الى نتيجة واحدة مفادها ((ان اسرائيل بحاجة الى الطاقة الرخيصة والقريبة والاهم من كل هذا وذاك يجب ان يكون المسؤول عن هذه الابار اشخاص وأحزاب وتيارات محسومة الولاء لمملكة اسرائيل الكبرى)).
وفي هذه الظروف العصيبة لا نريد ان نشير الى هذا الطرف او ذاك بالاسم والوصف فحال البلاد لا يحتمل جروحا نازفة اكثر مما هي عليه الان.
والان لنعد لصلب موضوعنا وبحثنا.. وهو هل ان مآساة حلبجة والانفال هي التي دفعت ساسة كردستان اليوم للمطالبة بكركوك ونفطها الستراتيجي زائدا 35 % من اراضي الدولة العراقية ام ان هناك امر دبر في ليل كما اعتاد الاعراب على هذا الوصف..
وحتى لا نُتَهم بالرجعية والصدامية والبعثية وحتى السلفية التكفيرية سوف نترك تحليل هذا الموضوع الى القارئ الواعي الكريم.. ولكن ما نود شرحه وتبيانه هنا جملة حقائق جيوستراتيجية وأخرى تتعلق بفلسفة الحتمية التاريخية وأخرى تتعلق بالتركيبة السيسيولوجية للشعب العراقي الكبير. ان ما يحدث الان في العراق هو ((كارثة سياسية تأريخية أخلاقية)) هذا اذا ما تركنا الدين جانبا كما يرغب المحتل وجنوده.. وسوف نعّرج على الحقيقة التالية ((كم من الوقت يحتاج اكراد العراق ومن خلفهم لغرض التكريد على كركوك ثم هل هناك ضمانة دولية كبرى من كون تركيا سوف تبقى صامتة الى الابد)).
كما اننا امام سؤال خطير آخر.. اذا ما خرجت قوى الاحتلال من العراق اليوم او بعد عام هل هناك قدرة عسكرية كردية لمقاتلة كل اطياف الشعب العراقي والحاق الهزيمة بهذا الشعب المتنوع.
وسؤال اخر.. ما علاقة جرائم صدام الشوفينية البعثية بأحتلال منابع نفط كركوك.
وسؤال اخر أهم.. ان ارادت امريكا ان تعطي كركوك هدية الى الفصائل الكردية هل هذه الهدية سوف تكون على حساب تركيا الدولة الحليفة والمؤسسة لحلف الناتو.. ثم ان اسرائيل ما هي حصتها من نفط كركوك وما هي حصة تركيا.. وهل ستقبل تركيا بهذه الهزيمة بسرعة وطيب خاطر..
وبرأي الشخصي ان ساسة كردستان يلعبون بقضية كركوك لعبة ((الروليت الروسي فاما ان تموت او تصبح غنيا)).
ان الصين تطالب اليوم بتايوان عسكريا.. والروس قد قتلهم جدر الضغط الامريكي.. واوروبا تريد سرعة انجاز وحدتها ودستورها وايران تسارع الزمن لامتلاك القنبلة النووية.. وهذا يدل مجتمعا انه سوف لن يكون لأحد القدرة او الرخاء السياسي او العسكري ((ليدافع عن اكراد العراق)) اذا ما حصل مكروه ما لا سامح الله لهم. فاليوم العالم كله يغلي على نار هادئه.. والخطير في الامر انه عندما ((يصطدم الكبار ينسحق الضعفاء الصغار))
ومن هنا ومن هذه الصفحة الرصينة أطالب ساسة كردستان ((بإعادة قراءة الملف العراقي جيدا)) مع احتساب المتغيرات الدولية الكبرى والبحث عن لغة ((تصالحية)) مفهومة مع عرب وتركمان العراق وعدم ربط مصيرهم ومستقبلهم وتأريخهم بالدبابة الامريكية والمدفع الاسرائيلي.. ولا حتى بحوث ودراسات دائرة المعارف البريطانية..
ان اكراد العراق البسطاء هم أهلنا وأخوتنا وأبناء عمومتنا.. ليس من حق احد ان ((يُخرّب)) هذا التواصل الوطني او الاجتماعي او التاريخي.
ان اكراد العراق هم مسلمون قبل ان يكونوا اكرادا.. وهم عراقيون قبل ان يكونوا ((بيش مركة))..
فإن كانت النخبة السياسية الكردية ((تعلم حقيقة ظروف العراق والمنطقة)) فانهم مطالبون اليوم قبل غيرهم بالحفاظ على سلامة ومستقبل الشعب الكردي.. وان كانت هذه النخبة غائبة عن الوعي سياسيا فنحن هنا نبين لها خطورة موقفها هذا.. وان كانت قد اعطت وعودا لهذا الطرف او ذاك بتنفيذ كافة اوامره وشروطه فلتعلم ان مستقبل وسلامة اكراد العراق يتأتى من ((اللحمة الوطنية العراقية)).
هذه اللحمة التي ان انقرظت ((لا سامح الله)) ستضيع كردستان العراق قبل ان تضيع ديالى ونينوى والانبار.
ان اهالي بغداد والفلوجة والبصرة ونينوى وواسط كلهم اكراد وعرب وتركمان من حيث (( النية العراقية الطيبة)) فلو ضاعت هذه النية او عطلت قسرا.. فحينذاك لم تبقَ حقوقا كردية ولا عراقية نبكي عليها ونحاول استردادها.
وفي هذا السياق يقول المؤرخ البريطاني الشهير ارنولد تويني ((ان كل الحركات والتيارات السياسية التي انطمرت بالتأريخ يجمعها شيء واحد هو عدم تعشق هذا التيار وهذا الحزب مع ابناء وطنه بالكامل فيسقط وطنيا ثم يسقط تأريخيا)) وللحديث بقية.