| حال المؤمن في السرّاء من خلال آيات النصر\محمد بن عامر العيسري   عدد القراء : 760   .
نزلت سورة النصر بعد أن منّ الله سبحانه وتعالى على رسوله صلى الله عليه وسلم بفتح مكة المكرمة التي كانت تنظر إليها القبائل العربية وإلى أهلها القرشيين نظرة إجلال وإكبار ، فكان ذلك الفتح المبين والنصر المؤزر إيذاناً بدخول قبائل العرب في دين الله ، وتمكيناً لدعوة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وقد نزلت السورة مبينة المنهج السليم الذي يجب على المؤمن أن يسلكه في حال النصر ، وفي حال السراء . ليس في هذا المنهج استكبار واستعلاء ، وليس فيه زهو وبطر وأشر ، إنما هو منهج (فسبح بحمد ربك واستغفره ) . إن السنن الإلهية في الكون من أهم ما ينبغي على المؤمن إدراكه سواء كان في حال السراء أو الضراء ، ذلك لأن ضرب الأمثال في القرآن الكريم بالأمم السابقة ، وصراحة بعض النصوص القرآنية في الحكمة من بعض السنن الإلهية ، لا ينبغي أن يمر على الأمة دون ادكار واعتبار ، كما أن في معرفة هذه السنن معرفة بأسباب النصر والتمكين، وأسباب الهزيمة والخسران، وفي الغفلة عنها تفريط في الأخذ بأسباب النجاة، وإعراض عن هدي الأنبياء، الذين ساروا في ضوء السنن الربانية؛ لأنهم أعرف الناس بالله وأسمائه وصفاته، وسننه وأيامه. وفي التفكير والتأمل في سير الأنبياء مع أقوامهم تعرف هذه الثمرة العظيمة ، السنن الإلهية في الكون : قال تعالى: (قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ ) . وقال عز وجل: (فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلاَ سُنَّتَ الأَوَّلِينَ فَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَبْدِيلاً وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَحْوِيلاً ) السنن الثابتة من خلال تاريخ الأنبياء عليهم السلام: 1- العاقبة للمتقين والهلاك للمكذبين المعاندين: والشواهد على هذه السنة كثيرة؛ فمن ذلك قوله تعالى عقب قصة نوح (عليه الصلاة والسلام): (تلْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهَا إِلَيْكَ مَا كُنْتَ تَعْلَمُهَا أَنْتَ وَلا قَوْمُكَ مِنْ قَبْلِ هَذَا فَاصْبِرْ إِنَّ الْعَاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ ). وقوله تعالى عن وصية موسى (عليه الصلاة والسلام) لقومه بعد أن هددهم فرعون بتقتيل أبنائهم، واستحياء نسائهم: (قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ وَاصْبِرُوا إِنَّ الأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ ) وقوله تعالى عن هود (عليه الصلاة والسلام ) مع قومه:( فَأَنْجَيْنَاهُ وَالَّذِينَ مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَقَطَعْنَا دَابِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنَا وَمَا كَانُوا مُؤْمِنِينَ ). وقال عن نبيه صالح (عليه الصلاة والسلام): (فَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا صَالِحاً وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَمِنْ خِزْيِ يَوْمِئِذٍ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ الْقَوِيُّ الْعَزِيزُوَأَخَذَ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دِيَارِهِمْ جَاثِمِينَ ) وقوله تعالى: (وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ رُسُلاً إِلَى قَوْمِهِمْ فَجَاءُوهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَانْتَقَمْنَا مِنَ الَّذِينَ أَجْرَمُوا وَكَانَ حَقّاً عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ ). وما جرى من تحقيق هذه السنة في الماضي سيجري مثله إن شاء الله في الحاضر والمستقبل، إذا تحققت أسبابها من ظهور المتقين الذين يستحقون نصر الله عز وجل . 2- إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم: وهذه السنة من السنن الخالدة التي يتحمل البشر في ضوئها مسؤوليتهم فيما يقع لهم من خير أو شر؛ لأن الله عز وجل قد منح الإنسان قدرًا من الحرية والاختيار، وشرح له أسباب النجاة، وأسباب الهلاك، وأنزل عليه الكتاب، وأرسل إليه الرسل. فمنه يبدأ التغيير: سواء إلى الشر أو إلى الخير؛ قال تعالى: (وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَداً مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ ). وإنه لجدير بالدعاة إلى الله في هذا الزمان، وفي كل زمان أن يقفوا طويلاً عند هذه السنة؛ فهي الأساس المهم، والمنهج الصحيح للدعوة والتغيير، بل هي أم السنن الربانية في البناء والتغيير. 3- الابتلاء سنة جارية للمؤمنين: وهذه السنة من الوضوح بحيث لا تحتاج إلى تعليق، حيث تواردت بها الأدلة الكثيرة من القرآن والسنة، وحيث الوقائع والتجارب في حياة الأنبياء وأتباعهم تشهد بذلك. ويكفي قوله تعالى: (الم أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ) وقوله تعالى: (أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ ) . وحكمة هذا الابتلاء عظيمة، وفوائده في التربية والتمحيص وتمييز الصفوف معروفة، وعلى هذا ينبغي أن توطن النفوس على هذه السنة مع سؤال الله عز وجل العافية والثبات . كما يدخل تحت هذه السنة: سنة المداولة بين الناس من الشدة إلى الرخاء، ومن الرخاء إلى الشدة، ومن إدالة الكفار على المسلمين للتمحيص والابتلاء: قال تعالى: (... وَتِلْكَ الأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ) انهيار الأمم الظالمة وزوالها يكون بأجل: يرى الناس موجبات العذاب والانهيار قد حلت بأمة من الأمم، ثم لا يرون زوالها بأنفسهم مع أن سنة الله لا تتخلف، لكن عمرها أطول من عمر الأفراد، ولا تقع إلا بأجل محدد لابد من استيفائه؛ قال تعالى: (وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلا يَسْتَقْدِمُونَ) وقال تعالى: (وَمَا أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ إِلا وَلَهَا كِتَابٌ مَعْلُومٌ مَا تَسْبِقُ مِنْ أُمَّةٍ أَجَلَهَا وَمَا يَسْتَأْخِرُونَ )، وقال تعالى: (وَتِلْكَ الْقُرَى أَهْلَكْنَاهُمْ لَمَّا ظَلَمُوا وَجَعَلْنَا لِمَهْلِكِهِمْ مَوْعِداً) 5- سنة الإملاء: وهي سنة يملي الله عز وجل فيها للكفار، ويستدرجهم ويمهل لهم ليزدادوا غيًا إلى غيهم وظلمًا إلى ظلمهم، ويغتروا بإمهال الله لهم حتى يصلوا إلى حد معين من الظلم والكبر والعتو في الأرض، فلا يمهلهم الله عز وجل بعده، وإنما يحق عليهم موعده سبحانه في إهلاكهم؛ لأن الله عز وجل لا يترك الظالم المتكبر يظلم إلى ما لا نهاية، وإنما يملي له ليسارع إلى نهايته المحددة، وموعده الذي يقصمه الله عنده لا يتقدم عليه ولا يتأخر، وسنة الإملاء هذه نراها الآن تعمل فيما يفعله العدو في ديار المسلمين وننتظر وعد الله فيهم؛ قال الله تعالى: (وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لأَنْفُسِهِمْ إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْماً وَلَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ ) . 6- سنة التدافع، وسنة الصراع بين الحق والباطل: وهذه السنة من أهم السنن الربانية التي يجب الوقوف عندها، وعدم الغفلة عنها. والمتأمل في دعوة الأنبياء عليهم الصلاة والسلام مع أقوامهم يلمس هذه السنة بوضوح وجلاء؛ قال الله تعالى بعد أن انتصر المسلمون بقيادة طالوت وقتل داود جالوت (الكافر): (فَهَزَمُوهُمْ بِإِذْنِ اللَّهِ وَقَتَلَ دَاوُدُ جَالُوتَ وَآتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشَاءُ وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ وَلَكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ ) . وقال تعالى بعد إذنه سبحانه للمؤمنين بالقتال: (أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلا أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيراً وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ ). والصراع والمدافعة بين الحق والباطل وُجِدا منذ أن أهبط آدم عليه الصلاة والسلام على هذه الأرض ومعه إبليس الملعون. واقتضت حكمة الله عز وجل أن يستمر هذا الصراع إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها بين حزب الله، وحزب الشيطان. وليس بالضرورة أن تكون المدافعة، أو أن يكون الصراع بالقتال والسلاح. بل إنه يكون بغير ذلك، وما القتال إلا مرحلة من مراحل هذا الصراع؛ فإقامة الحجة على الباطل وأهله: مدافعة، وإزالة الشبه عن الحق وأهله: مدافعة، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر: مدافعة، والصبر على ابتلاء الأعداء من الكفرة والظلمة، والثبات على الدين: مدافعة وصراع وقد تطرق شاعر العلماء وعالم الشعراء الشيخ أبو مسلم البهلاني العماني رحمه الله إلى بعض السنن الإليهة في الكون في قصيدته (أفيقوا بني القرآن) قائلاً: نفوس ولم يعرف مضر ونافع ليصلح مدفوع ويصلح دافع وإبلاؤهم وهو الحبى والصنائع وذاك بلاء للمواهب جامع فكم شق أمر ضيق وهو واسع فذو الجهل موفور وذو العقل جائع وتعجيل عقبى هفوة إذ تواقع وهذا حسام للمظالم قاطع ولولا نواميس السماء لما زكت ومن سنن الله التدافع بيننا ومن سنن الله اختبار عباده يصب على من شاء صبا بلاءه ومن سنن الله اختفاء اصطناعه ومن سنن الله التفاضل في العطا ومن سنن الله التأني من طغى ومنها انتقام من ظلوم بظالم |