| قصة قصيرة / مهاجرة إلى الله   عدد القراء : 1549   . انهيت اعمالي المنزلية عصر ذاك اليوم، وبعد ان اطمأننت على اولادي وقد بدأوا في استذكار دروسهم؛ جلست في الصالة وهممت بمتابعة مجلة اسلامية حبيبة الى نفسي، ولكن شيء ما شد انتباهي!.. ارهفت سمعي لصوت منغَّم ينبعث من احدى الغرف وبالذات من حجرة ابنتي الكبرى!.. الصوت يعلو تارة ويغيب بعيداً تارة اخرى!!.. نهضت بتعجب لأستبين الامر؛ ثم عدت الى مكاني بآسمة عندما رأيت صغيرتي ممسكة بيدها مجلداً انيقاً تدور به الغرفة جذلة وهي تنغم ما تقرأ.. لقد اهدتها ادارة المدرسة ديوان (احمد شوقي) لتفوقها في دراستها.. وهاهو ذا صوتها يبدو واضحاً- ربما شارفت الباب في دورانها- .. وفي لهجة طفولية كانت تردد: خدعوها بقولهم: حسناء والغواني يُغرُّهُنَّ الثناء لا ادري لماذا اخذت ابنتي في تكرار هذا البيت.. لعلَّه اعجبها!.. لعلها بدات في حفظ القصيدة!!.. ورايتني اردده معها وقد انبجست مدامعي تأثراً وانفعالاً!!... لكِ الله يا صغيرتي! لقد نكأتِ- دون ان تدري- جراح قلب اضناه النزف في عالم البؤس والشقاء؛ وعندما تاذَّن الله استطعت بفضله ان اولد من جراحاتي ورودا حمراء ناعشة، تغذيني برحيقها وانشق عبقها!!.. أيا حبيبتي غداً ستكبر صغيرتي ويكبر اولادي، وسيعرفون ان امهم كانت.. وكانت..!! فهل ياترى ساعيش الى تلك الاويقات واصارحهم بالحقيقة: لِمَ وكيف كنت؟!.. اناملي الراعشة تضغط بالمنديل الورقي على الكرات الدمعية المتهطلة؛ كي لا تفسد صفحات اعتدت تدوين خواطري وذكرياتي في ثناياها، وصوت ابنتي لا يزال يردد بيت شوقي. (خدعوها؟!).. نعم، لقد مورست عليّ عمليات خداع نصبتها اكثر من جهة.. وتعود جذور المأساة الى سنوات كنت فيها الطفلة البريئة لابوين مسلمين كان من المفروض عليهما استشعار المسؤولية تجاه وديعة الله لديهما- التي هي انا- بتعهدي بالتربية وحسن التوجيه وسلامة التنشئة لاغدو بحق مسلمة كما المطلوب. ولكن -وآاسفاه- كان ابواي منصرفين، كُلٌّ لعمله.. فابي -بطبيعة الحال- دائماً خارج البيت في كدح متواصل؛ تاركاً عبء الاسرة لامي؛ التي كانت بدورها موزعة الاهتمامات ما بين عملها الوظيفي خارج المنزل وداخله الى جانب تلبية احتياجاتها الشخصية والخاصة.. وبالطبع لم اجد الرعاية والاعتناء اللازمين حتى تلقفتني دور الحضانة ولمّا ابلغ الثالثة من عمري.. كنت اعيش في قلق وتوتر وخوف من كل شيء، وانعكس ذلك على تصرفاتي الفوضوية الثائرة في المرحلة الابتدائية في محاولة لجذب الانتباه الى شخصي المهمل (اسرياً).. بيد ان شيئاً ما اخذ يلفت الانظار اليّ بشكل متزايد. اجل؛ فقد حباني الله جمالاً ورشاقة وحنجرة غريدة جعلت من معلمة الموسيقى (مس تيريزا) تلازمني بصفة شبه دائمة تستعيدني الادوار الغنائية- الراقصة منها والاستعراضية- التي اشاهدها من التلفاز، حتى غدوت افضل من تقوم بها في الحفلات المدرسية.. ولا ازال احتفظ في ذاكرتي بأحداث يوم كُرِّمت فيه لتفوقي في الغناء والرقص والتمثيل على مستوى المدارس الابتدائية في بلدي.. يومها احتضنتني (الام ليليان)- مديرة مدرستي ذات الهوية الاجنبية- وغمرتني بقبلاتها قائلة لزميلة لها: (لقد نجحنا في مهمتنا..انها - واشارت اليّ- من نتاجنا، وسنعرف كيف نحافظ عليها لتكمل رسالتنا!!). لقد صور لي خيالي الساذج انذاك اني سابقى دائماً مع (المس والأم).. واسعدني ان اجد بعضاً من حنان افتقدته؛ وان كنت قد لاحظت ان عطفهما من نوع غريب تكشف لي ابعاده ومراميه- بعدئذ- وافقت على حقيقة مثل هذا الاهتمام المستورد!!. صراحة لا استطيع نكران مدى غبطتي في تلك السنين الفائتة وانا ادرج من مرحلة لاخرى؛ خاصة بعد ان تبناني احد مخرجي الافلام السينمائية كفنانة (!!) دائمة وسط اهتمام اعلامي بي كبير! كم اخذت امي تفخر بابنتها الموهوبة (!!) امام معارفها وصويحباتها، وتكاد تتقافز سروراً وهي تتملَّى صوري على شاشة التلفاز جليسها الدائم!! لقد تملكتني نشوة مسكرة وانا ارفل في الازياء الفاخرة والمجوهرات النفيسة والسيارات الفارهة.. كانت تطربني المقابلات والتعليقات الصحفية ورؤية صوري الملونة وهي تحتل اغلفة المجلات وواجهات المحلات؛ حتى وصل بي الامر ان تعاقد معي متعهدو الاعلانات والدعايات لاستخدام اسمي - واسمي فقط- لترويج مستحضراتهم وبضائعهم! كانت حياتي بعمومها موضع الاعجاب والتقليد في اوساط المراهقات والسيدات على السواء، وبالمقابل كان تألقي هذا موطن التحاسد والغيرة التي شب اوارها في نفوس زميلات المهنة- ان جاز التعبير- وبصورة اكثر عند من وصل بهنَّ قطار العمر الى محطة الترهل والانطفاء وقد اخفقت عمليات التجميل في اعادة نضارة شبابهن فانصرفن الى تعاطي المخدرات، ولم يتبقَ من دنياهن سوى التشبث بهذه الاجواء العَطِنَة؛ وقد لُفِظنّ كبقايا هياكل ميتة في طريقها الى الزوال! قد تتساءل صغيرتي: وهل كنت سعيدة حقا يا امي؟!!.. ابنتي الحبيبة لا تدري- كمعظم الذين عرفوني- باني كنت قطعة من الشقاء والالم.. فقد عرفت وعشت كل ما يحمل قاموس البؤس والمعاناة من معان واحداث! انسانة واحدة عايشت احزاني وترفقت بعذاباتي في رحلة الشقاء (المبهرجة!!).. ورغم انها شقيقة والدتي الا انها تختلف عنها في كل شيء.. ويكفيها انها سيدة فاضلة، وزوجة مؤمنة، وام صالحة.. كنت الجأ اليها بين الحين والاخر اتزود من نصائحها، واخضع لتحذيراتها، وارتضي وسائلها لتقويم اعوجاجي وهي تحاول فتح مغاليق قلبي ومسارب روحي بكلماتها القوية ومشاعرها الحانية.. ولكن - والحق يقال- كان شيطاني يتغلب على الجانب الطيب الضئيل في نفسي لقلة ايماني وضعف ارادتي وتعلقي بالمظاهر، وقد ابتليت بالادمان على استمرارية الطفو في المجالات الاجتماعية والاعلامية.. وعلى الرغم من هذا لم يكن بالمستطاع اسكات الصوت الفطري الصاهل المنبعث في صحراء قلبي المقرور! بات مالوفاً رؤيتي ساهمة واجمة وقد اصبحت دمية يلهو بها اصحاب المدارس الفكرية- على اختلاف انتماءاتها العقيدية- لترويج اغراضهم ومراميهم عن طريق امثالي من المخدوعات والمخدوعين، واستبدالنا بمن هم اكثر إخلاصاً؛ او اذا شئت (عمالة) في هذا الوسط الخطر والمسؤول عن الكثير من توجهات الناس الفكرية. وجدت نفسي شيئاً فشيئاً في عزلة نفسية قائظة، زاد عليها نفوري من اجواء الوسط الفني- كما يُدعى-!! معرضة عن جلساته وسهراته الصاخبة التي يرتكب فيها الكثير من التفاهات والحماقات باسم الفن او الزمالة!! لم يحدث ان ابطلت التعامل مع عقلي في ساعات خلوتي لنفسي وانا احاول تحديد الجهة المسؤولة عن ضياعي وشقائي: اهي التربية الاسرية الخاطئة، ام التوجيه المدرسي المنحرف، ام هي جناية وسائل الاعلام، ام كل ذلك؟!!. لقد توصلت - ايامها - الى تصميم يقتضي تجنيب اولادي - مستقبلا - ما ألقاه من تعاسة مهما كان الثمن غاليا.. إذ يكفي المجتمع اني قدمت ضحية على مذبح الاهمال والتآمر والشهوات، او كما تقول خالتي: على يد الشيطان!!. وفجأة التقينا على غير ميعاد! كان مثلي.. دفعته نزوات الشباب - كما علمت بعدئذ - الى هذا الوسط ليصبح نجما!! - وعذرا فهذه اصطلاحاتنا آنذاك - .. ومع ذلك كان يفضل تأدية الادوار الجادة - ولو كانت ثانوية - نافراً من التعامل مع الادوار النسائية!!. ومرة احتفلت الاوساط الفنية والاعلامية بزيارة احد المشاهير(هوليوود) لها.. واضطررت يومها لتقديم الكثير من المجاملات التي تحتمها مناسبات كهذه!!. وانتهزت فرصة تبادل الادوار وتسللت الى مكان قريب مني.. شجعني صمته الشارد ان اقتحم عليه عزلته!. سألته - بدون مقدمات - عن رأيه في المرأة - لأعرف كيف ابدأ حديثي معه! -.. أجابني باقتضاب ان الرجل رجل، والمرأة مرأة، ولكل مكانه الخاص وفق طبيعته التي خلق عليها! استرسلت في التحادث معه وقد ادهشني وجود إنسان عاقل في هذا الوسط!. فهمت من كلامه انه سيضحي - غير آسف - بالثراء والشهرة المتحصلين له من التمثيل، وسيبحث عن عمل شريف نافع يستعيد فيه رجولته وكرامته. لحظتها قفز الى خاطري سؤال عرفت الحياء الحقيقي وانا اطرحه عليه.. لم يشأ ان يحرجني يومها، ولكن مما وعيت من حديثه: (إذا تزوجت فستكون زوجتي اماً وزوجاً بكل معنى الكلمة، فاهمة مسؤولياتها وواجباتها، وستكون لنا رسالة نؤديها نحو اولادنا لينشأوا على الفضيلة والاستقامة كما امر الله، بعيدا عن المزالق والمنعطفات، وقد عرفت مرارة السقوط وخبرت تعاريج الطريق!!!). وقال كلاما اكثر من ذلك أيقظ فيَّ الصوت الفطري الرائق يدعوني الى معراج طاهر من قحط القاع الزائف الى نور الحق الخصيب.. واحسست على خلاف الكثير ممن التقيت ورفضت الاقتران بهم. وبعد فترة شاء الله وتزوجنا.. وكالعادة كان زواجنا قصة الموسم في اجهزة الاعلام المتعددة، حيث تتعيّش دائما على مثل هذه الاخبار!.. ولكن المفاجأة التي اذهلت الجميع كانت باعلاننا - بعد زيارتنا للأراضي المقدسة - عن تطليق حياة الفراغ والضياع والسوء، واني سالتزم بالحجاب وسائر السلوكيات الاسلامية المطلوبة الى جانب تكريس اهتمامي لمملكتي الطاهرة، - بيتي المؤمن - لرعاية زوجي وأولادي طبقا لتعاليم الأسلام.. اما زوجي فقد أكرمه الله بحسن التفقه في دينه وتعليم الناس في المسجد. اولادي الاحباء لما يعرفوا بعد ان اباهم في عمامته وامهم في جلبابها كانا ضالين يوماً فهداهما الله، وأذاقهما حلاوة التوبة والايمان.. خالتي المؤمنة ذرفت دموعها فرحة وهي ترى ثمرة اهتمامها بي في الايام الخوالي، ولا تزال الى الان تحتضنني كما لو كنت صغيرة، وتسأل الله لي الصبر والثبات أمام حملات التشهير والنكاية التي استهدفت إغاظتي بعرض افلامي السافرة التي اقترفتها ايام جاهليتي، علِّي اعاود الارتكاس في ذاك الحما اللاهب وقد نجاني الله منه.. ومن المضحك ان احد المنتجين عرض على زوجي ان اقوم بتمثيل افلام وغناء اشعار يلصقون بها مسمى (دينية)!! ولا يعلم هؤلاء المساكين ان اسلامي يربأ بي عن مزاولة ما يخدش كرامتي او ينافي عقيدتي.. نعم.. لقد كانت هجرتي لله والى الله.. وعندما تكبر براعمي المؤمنة سيدركون لِمَ وكيف كنت؟!. وتندفع صغيرتي الى حجري بعد الاستئذان، واراها تضع بين يدي الديوان تسألني بلهجة الواثق من نفسه أن أتابع ما حفظت من قصيد.. وقبل ان اثبت بصري على الصفحة المطلوبة اندفعت في تسميعها: خدعوها بقولهم: حسناءُ والغواني يَغُرُّهنَّ الثناء! |