| المثالية الإسلامية في شعر محمد إقبال   عدد القراء : 1838   . الذات كنواة للحياة يدور المحور الفكري لكل اعمال اقبال حول بؤرة الذات. ان اقبال لا يكتفي بالتأمل الصامت ولا بالمناظرة المحايدة بين النواة في الذرة وبين الذات في الانسان، وانما يغوص في اعماق الذات، لاستكشاف ابعادها، بحثاً عن معادلات تفاعلاتها الداخلية وتفاعلاتها مع الذوات الخارجية، التي تشاركها في عمارة الارض، محاولاً ان يفجر طاقاتها في سلسلة من الايجابيات، التي تحقق الذات من خلالها حركة صعودية تنتهي بها الى تسخير الكون وتحقيق سيادة الانسان الكامل، القوى والقادر على قهر الاستعباد والفقر وظلام الجاهلية الحديثة، فمثلما للذرة قوانين تتفجر بها الطاقة النووية الهائلة، للانسان كذلك قوانين، تتمثل في المقومات الاسلامية- عقيدية وتربوية وحضارية وسياسية- يستطيع بها استخراج طاقات الذات اللانهائية والتي يستحق بتطبيقها ان يستخلفه الله في الارض. ان اقبال يتطلع الى الانسان مندهشاً: (ذلك الذي مساره على الافلاك، لماذا يصعب عليه السير فوق الارض؟). وهو حين يقدم نفسه للإنسان، كفيلسوف او كشاعر، ينزه نفسه عن منافقه الحاكمين او احناء الراس للسلطان، ليحوز الثقة في نفس المريدين والاهلية لشق الطريق امامهم، مهما يكن واعراً صلداً، ولانه يريد للانسان ان يكون مرفوع الهامة قوي العزيمة: (انني ارفع من نظم المديح.. ولا اطأطئ الجبين امام كل ديوان.. ولن يذل عنقي باعمال الاحسان.. وذيلي من براعم الروضة خالياً.. انني اسعى في الدنيا باقدام كالخنجر.. وآخذ مائي من الصخر الصلد) ومفهوم الذات عند إقبال هو ضد النفس الأنانية. بل ان انكار الذات بالمعنى الأخلاقي هو مصدر قوة للذات، لكنه حين يدين الغاء الذات واهمالها، انما يدين تلك الأنماط السلوكية التي تؤدي الى القضاء على (الأنا)، وذلك يؤدي الى تحلل الذات وعدم قدرتها على الاستمرار. والمثالية الاسلامية هي خضوع الانسانية كلية للذات الالهية، لان هذا الخضوع يقهر الخوف ويرتفع بالانسان فوق الدنيا فيخضعها لمشيئته، كما يحقق بخضوعه الكلي لله البقاء الأبدي، وهذا اعلى درجات تاكيد الذات، وهذه الذات التي تريد ان تقصر خضوعها لله، تتطلب اقصى درجات القوة :(كن صلباً كالماس). وصلابة إقبال ليست مرادفة لقسوة الفؤاد وانعدام الرحمة، كما هو الحال عند (نيتشة)، انما الصلابة الماسية تعني تكامل عناصر الذات واحكامها لتسد الطريق على قوى التدمير المحيطة بها فاذا تكاملت هذه العناصر تحققت العدالة وعلت قضية الحق وهان الموت في سبيل رفعة الانسان. وتُمثّلُ فلسفة إقبال، ركنا رئيسياً في الفلسفة الأسلامية المعاصرة، كما انها تتميز بنمطها الفريد، فإقبال لا يعرض فلسفة من خلال ثياب الواعظ ذي النمط التقريري الرتيب، ولكنه يقدمها في إطار درامي يفيض بالعاطفة والايمان، فهو يدعو الى القران والسنة في قالب يعتمد على تقويم الذات وتنميتها لبناء الانسان الحر. فاذا سعى هذا الانسان الفرد الى التخلق بأخلاق الاسلام العظيم، قامت دولة الاسلام الحقة التي هي خلافة الله في الارض، فاذا تحقق المجتمع الاسلامي الموحد، اذاب الفرد ذاته في المجتمع باختياره بعد ان اقام حياة الاسلام الابدية والتي تحقق للذات الجمعية الخلود وتعصمها من الفناء. واقعية المثالية الإسلامية هذه المثالية الاسلامية، ليست عن مجتمع يُحَلّقُ في الخيال، لكنه المجتمع الذي يرتكز على دعائم اول بيت وضعه الله للناس. فهو مجتمع واقعي وقائم، ينجذب الى مركزه المتمثل في بيت الله الحرام. والذي يولي وجهة اليه خمس مرات في اليوم كل مسلم في العالم، فاذا تحقق التوجه الصحيح المنطلق من اعماق الذات حباً وطاعة.. خشوعاً وشوقاً، وليس بالقيام المتثاقل الكسول، تحققت الوحدة التامة.. وحدة التوبة والشعور والغاية، فتسقط بينهم الحدود المتهافتة واوهام القومية والغربة المصطنعة ويعمر فضاء الكون بشعار لا اله الا الله، ما خرج من افواه الا التقطته اذان ويظل يدور ويدور حول الأرض قاطبة كما يصعد الى السماء حيث يحتكم المسلمون الى الشريعة الغراء والله من فوقهم ينظر ويرى لكن التسامي الى مثل هذه المثالية الواقعية، يقتضي اسقاط القوانين الوضعية وآلهتها الزائفة والجهاد الحق في سبيل الله وليس جوعاً الى الارض كي نحقق الوحدة بين المسلمين بارواحهم واجسادهم ونبذ كل اسباب تشرذمهم وافتراقهم. |