السيرة النبوية في قصص   عدد القراء : 701   .


على مائدة بحيرا .. تبشيرات الديانات به (صلى الله عليه وسلم)

الحلقة (16)

سيف الدين الكاتب

كان عبد المطلب يتخذ له مجلساً بجوار الكعبة ...يجتمع إليه رجال قريش فيجلس هو على فراش خاص معد له  … ويجلس الرجال من حوله … ولم يكن أحد من أبناء عبد المطلب يجلس معه على ذلك الفراش ادباً واحتراماً لكن ذلك كان مسموحاً لمحمد وحده إذ كان يغشى مجلس جده ويقعد على فراشه بجواره فإذا تقدم إليه أعمامه ليؤخروه عن فراش جده نهاهم عبد المطلب وقال لهم :

- دعوا ابني ...دعوا ابني ...ثم يدنيه منه ...ويمسح ظهره بيده ويفيض عليه عاطفة البنوة والحب ولا عجب فقد طالما كان أبوه (عبد الله)احب أولاده إلى قلبه وأقربهم من نفسه وآثرهم عنده.

ومما كان يزيد عبد المطلب تعلقاً بمحمد وحرصاً عليه ...ما كان يبدو عليه من آيات السمو ...فقد كان صلى الله عليه وسلم مثلاً يلفت الأنظار في كمال أدبه وفي سمو خلقه وفي عزوف نفسه عن اللهو والعبث وفي تنزهه عن التدني فيما يتدنى إليه الأطفال من التهافت على الطعام والشراب أو التطلع إلى التطلع إلى ما يجلبه الآباء والأمهات.

نعم كان محمد في ذلك موضع العجب والاهتمام من كل من يراه فما كان إلا طفلاً يتيماً قد نشأ في مجتمع غلبت عليه الجهالة ...وفشا فيه الضلال والشرك وعبادة الأصنام وأسرف في المتع والملذات ..فكان من الطبيعي أن ينشأ كما ينشأ كل طفل مهمل بعد فقد الأب الذي يعنى بتأديبه وتهذيبه والأم التي تعنى بتعليمه وتدريبه وتوجيهه.

ولكن الله عز وجل أراد لمحمد هذا اليتم المبكر ليكون هو (تعالت حكمته) الذي يحوطه بعنايته ويكلؤه بحمايته ويكمله بما يرضى له من الأخلاق والآداب وليسبغ عليه من آيات فضله ما يجعله آية للناس ونموذجاً حياً للإنسان الكامل الذي ادبه ربه فأحسن تأديبه وصنعه فأتقن صنعه ...وأعده لما أراد به من الكرامة((والله أعلم حيث يجعل رسالته))..

في مجلس ضم عبد المطلب ...وبعض رجال من قبيلة (مدلج) جعل هؤلاء الرجال يتفرسون في محمد هذا الطفل الذي يجلس على فراش سيد قريش ...ولفت نظر احدهم أن قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم قريبة الشبه من تلك القدم التي كانت أثراً يحتفظ به العرب في مقام إبراهيم عليه السلام بجوار الكعبة وهو أثر قدم نبي الله إبراهيم فقال الرجل المدلجي لأصحابه:

- انظروا … أترون ما أرى ؟...

وتساءل عبد المطلب عن تهامس الرجال من (بني مدلج) فقالوا له :

- يا عبد المطلب !... احتفظ بهذا الغلام فإنا لم نر قدماً أشبه بالقدم التي في مقام إبراهيم منه..

ولا عجب ...فقد كان العرب لا يزالون من أقدر الناس على معرفة الأقدام وتتبع الأثر ومن هنا فقد لفت أنظار الرجال المدلجيين ما رأوا من عجائب صنع الله في هذا الغلام اليتيم ولكن عبد المطلب كان يدرك ان لولده هذا شأناً عظيماً .

فكان يبالغ في الحرص عليه ويحفه بالرعاية والعناية ويوصي به أعمامه..

وكان من الطبيعي أن يبادل محمد جده عاطفة الحب النبيل فما أسرع انجذاب الطفل إلى من يحنو عليه وما أشد تعلقه به واندفاعه إليه.

ولما مات عبد المطلب أحس محمد ألم الفاجعة ...وعرف انه فقد قلباً كبيراً كان يحنو عليه فبكاه بكاء الحزين الحائر ...الذي لا يدري متى يقر قراره ولا ماذا يكون مصيره.