احتلال العراق:أمثولة الكذب المطلق.../د. فهمي الفهداوي   عدد القراء : 988   .


لقد بدأت عملية تآكل المواقف ونفض الأيادي عن مواصلة الرحلة في سفينة الأخطاء، التي باتت إمكانية غرقها شبه محتمة عند روادها وبحارتها، وهذه هي الحقيقة المناسبة لعملية احتلال العراق من قبل جيش الإدارة الأمريكية للرئيس بوش.

فلقد صدق الرئيس الأمريكي السابق جيمي كارتر، حين أقرَّ بفشل سياسة الرئيس بوش في معالجة القضايا المهمة، حتى وصف إدارته بأنها: أسوأ إدارة في التاريخ ، لكونها اضطلعت في توظيف الوسائل العسكرية، وأولتها الأسبقية على المساعي الدبلوماسية في حسم ما يتعلق ويختص بالعلاقات الدولية.

كما وأنَّ قناعة وزير الدفاع الأمريكي الحالي روبرت غيتس: من أنَّ الجيش الأمريكي مجهد تعطي مؤشرات حقيقية حول حجم المخاطر، التي يتخوض بين حقولها الجيش الأمريكي في مواقع الاحتلال وفي العراق تحديدا، خاصة إذا ما علمنا بأنَّ ادعاءات النجاح وتحسّن الأوضاع من زاوية الخطاب السياسي، التي دأبت عليه الإدارة الأمريكية بالتزويق والمكابرة والأضواء النــجومية، لا يعني بالـضرورة هناك رؤية مطابقة مماثلة، قائمة على الأرض من زاوية الخطاب العـــسكــري الميداني، الغارق بالدم والانفجــارات وشـرر الرصاص ومواجــهات المقاومة يوميا.

إنَّ تقييمات الأداء العسكري لجنود الاحتلال الأمريكي في العراق، غالبا ما تأتي من جهة القادة الممارسين والجنرالات المسؤولين، لتُحدِث مفاجأة التناقض والازدواجية بين المعقول المنطقي واللامعقول السفسطائي، بحيث يحدث شبه تبادل في الأدوار، بين معقولية العسكري وحساباته العملية من جهة، وبين مثالية السياسي وإرهاصاته التخيلية المستحيلة من جهة أخرى، فيتحول المقول إلى سفسطة، ويضغط السياسي والعسكري معاً، باتجاه تقعير تقييم حالة الوضع العسكري تماما، الذي يتداخل فيه الارتباك والتعتيم والتمويه، دون مؤشرات يقينية ثابتة يمكن إدراكها حقا.

وهذا كله يحدث، عندما يتخلى قادة العسكر عن مهنيتهم والتزامات رتبهم، أثناء وجودهم في مناصبهم العسكرية مرتدين بدلة السياسي، ومنخرطين في تبنّي أيديولوجية إنقاذ الأفكار السياسية من هزيمتها، وعندما يعود أولئك القادة، وبعد أن أصبحوا خارج مناصبهم العسكرية وغادروا رتبهم الفاعلة، التي تبيح لهم أصلا ارتداء الصبغة السياسية في خطابهم وأفكارهم، ليعلنوا ويصرحوا من وراء بدلاتهم المدنية الدائمة بفضائح الحقائق الميدانية، التي عليها أوضاع الجيش الأمريكي في مغامرات الاحتلال، متناسين بأنَّهم كانوا ذات يوم جزءا فاعلا من تلك الفضائح، وكان الأجدر بهم آنذاك أن يكشفوا ما يعلنون عنه اليوم.

إنّ قادة المراكز العسكرية لجيش الاحتلال الأمريكي، وأثناء قيامهم على رأس مهماتهم ومناصبهم الرسمية، يعمدون إلى منافقة رؤسائهم المدنيين وأصحاب القرارات العليا في الإدارة الأمريكية، والسير خلف أكاذيبهم المغلفة بحسابات سياسية، تتعدى مقتضيات العمل الواقعي في الميدان، وتتجاوز عن سياقاته الفعلية الخاضعة لحسابات عسكرية مقروءة، ليشكلوا رديفا مشاركا في ممارسة تضليل أتباعهم وأبناء شعوبهم والرأي العام، حتى لو كان ذلك على حساب التضحية غير المبررة بدماء جنودهم وأرواح أبناء وطنهم، وإفهام المُهتمين والمتابعين خلافا لكل ما قد يتمخض عنه معقول الواقع هكذا هي المفارقة، وهكذا تتكور ملابساتها، لكنَّ الحقيقة دائما تأتي أخيرا في حالات الغزو واحتلال البلدان واستعمار الشعوب واقتراف الجرائم الكبري، وحين تشارف لعبة المصالح الانتهازية على نهاية مواسمها العاصفة، وعندئذ ليس ثمة ما يمنع من كشف المستور والاستماع إلى تقليعات أو تصريحات القادة العسكريين المستقيلين أو المتقاعدين ، الذين كانوا في يوم ما، حجر العثرة في كل زاوية من زوايا مأساة الوطن والبلاد، وما حدث للمجتمع العراقي والأمريكي على حدَّ سواء، ولم تشهد لهم المسامع آنذاك بصحوة ضمير ولا بفعل محمود، إزاء تصحيح مسار المأساة من جراء الحرب وقيام الاحتلال ولا بأس. فقد عودنا الأقوياء الظالمون عند نهاية عزّتهم، بأنَّ لهم ضميرا يصحو بعد فوات الأوان بأمل التقرُّب من خلاص مفترض، عبر الانغمار في هالة التصريحات المعاكسة، كلما تناقصت امتيازاتهم، ووجدوا أنفسهم في عزلة الضوء الخافت ووحشة الحال، وهم يستحضرون خيباتهم السلوكية وسيرتهم المهنية المصبوغة بالخديعة، التي ينبغي تداركها بضمان استبعاد أخطائهم عن مذكراتهم الجديدة، التي ينوون كتابتها، وكأنهم أبطال زمانهم الذي لا ينبغي تدنيسه بمسؤولية النفاق الحقيقي، ويمكن حشوه بروحية الطهر المزيف، كضرورة ملفتة من ضروريات تجميل عكّازات الشيخوخة وطلب الغفران الموهوم، عند الدخول في مرحلة أرذل العمر.

فلا ينبغي التعامل جديّا مع تصريحات رئيس أركان الجيش الأمريكي السابق جورج كيسي عندما قال: بأنَّ الجيش الأمريكي في أفغانستان والعراق فقد توازنه ، كما يجب أن لا يعول على ما جاء به مؤخرا، ريكاردو سانشيز قائد القوات الأمريكية السابق في العراق، حينما وصف مهمة القوات الأمريكية بأنَّها: كابوس لا نهاية بائنة له ، خاصة وسانشيز أو كيسي اليوم كلاهما خارج الحظيرة، ويقولان كلاما يُحسب على قائمة المتقاعدين ممَّن هم خارج السرب وتوقيع القرارات وسوف لا أستبعد أن يفعل مثلهما الجنرال ديفد بيترايوس، القائد الحالي للقوات الأمريكية في العراق، حالما يستقيل أو يتقاعد مستقبلا، وربما سيُصرّح بما هو أخطر وأنكى من أيّة أقوال أخرى، بالشكل الذي تموت فيه كل دفاعاته المستميتة، وتجميله صورة المشهد العسكري لقواته، التي قدمها أمام الكونغرس الشهر الماضي، وقد يُبيّن وقتها حجم الضغوطات السياسية، التي تعرَّض لها وأجبرته على قول ما قاله وعبَّرَ عنه في تقريره المعروف.

إنَّ الحرب على العراق، والتي أرادها الرئيس بوش، ومن خلال تفعيل ماكنة التشغيل الإعلامي المزيف، حرباً شاملة على ما يسمى الحرب على الإرهاب، ستشكل دليلا تاريخيا علي كذب السياسة الأمريكية في العصر الحديث، وسيجعلها ذلك أمثولة الكذب المطلق، وفي أسود جانب من هذا الكذب، ستبرز فصول كثيفة حول كيفية إدارة المعلومات وتوظيف معطياتها الخاطئة، ضمن إستراتيجية معتمدة في دعم الخيارات المجنونة، التي تعبّر عن رغبة طغمة فاسدة من قادة العالم الجدد، وعن سعيهم الحثيث في إيجاد بؤر منتشرة لحكومات اللصوصية والافتراء، وممالك رجال الأعمال الفاسدين لقيادة الدول وحكم البلدان ومن يدري؟ فلربما هذه الفصول المحجوبة اليوم، ستكون هي المذكرات ذاتها، التي تجود بها قريحة دونالد رامسفيلد وزير الدفاع السابق، والبطل المتميز في فضائح سجن أبي غريب وغيره، أو على وجه أصحّ مذكرات الرئيس بوش نفسه، بعد أن يدرك تماما، بأنَّ أحدا ممَّن يعرف أو عمل تحت رئاسته القديمة، لم يعد يراسله أبدا.