الوجود العسكري الأمريكي في العراق إلى أين؟   عدد القراء : 863   .


نجم عبود البازي

شكل الغزو الأمريكي للعراق واحتلاله في نيسان 2003 ، منعطفاً خطيراً في تاريخ العلاقات الدولية في العصر الحديث. فقد قامت القوات الأمريكية وبعض القوات من دول متحالفة معها بغزو العراق خلافاً لما استقر من قواعد منظمة للعلاقات الدولية...

 

وقواعد قانونية دولية مما أعتبر سابقة خطيرة في العلاقات بين الدول ، لاسيما في عصرالتنظيم الدولي الذي يحرم استخدام القوة في العلاقات الدولية. والاحتلال الأمريكي للعراق هو الثاني في تاريخ العراق الحديث ، حيث سبقه في ذلك الاحتلال البريطاني في بداية القرن الماضي. وكانت القوات البريطانية قد اجتاحت العراق واحتلت بغداد في 18 آذار 1917 تحت شعار (تحرير العراق) نفسة.

والملاحظ أن هناك نقاط تشابه عديدة بين الاحتلالين الأجنبيين للعراق ، فبعد أن  قامت القوات الأمريكية باحتلال بغداد وإسقاط نظام السابق عينت الادارة الأمريكية الجنرال الأمريكي جاي غارنر حاكماعسكرياً للعراق ، وقد جوبهت هذه الخطوة بانتقادات عديدة باعتبارها اعلانا صريحاً وتطبيقا عمليا للاحتلال وحكماً عسكرياً لبلد مستقل ، مما اضطر الحكومة الأمريكية لإقالة غارنر وتعيين السفير بريمر حاكما مدنياً للعراق وذلك في مطلع آيار 2003. ومنصب بريمر هذا يشابه منصب المندوب السامي البريطاني الذي كانت تعينه برطانيا في مستعمراتها في العالم.

ولم يستطع بريمر العمل على تحسين الوضع الأمني والقضاء على المقاومة المسلحة العراقية المتزايدة على الرغم من العمليات العسكرية الكبيرة التي قامت بها القوات الأمريكية في العديد من المناطق الساخنة مما دفع بصانع القرار الأمريكي إلى التفكير بوسيلة أخرى للخروج من المـــأزق العراقي الذي وضعت الحكومة الأمريكية نفسها فيه ، وفي هذه المرة اضطرت الادارة الأمريكية إلى اللجوء إلى الخطوة التي قام بها المندوب السامي البريطاني في العراق نفسها عندما شكل الحكومةالعراقية المؤقتة ومن ثم تسليم السلطة إلى الملك فيصل الأول. فقد قام بريمر بإنشاء مجلس الحكم وسلم السلطة فيما بعد إلى حكومة عراقية مؤقتة برئاسة أياد  علاوي.ومثل تسليم السلطة إلى حكومة علاوي إجراءاً شكليا لم يغير من حقيقة استمرار الاحتلال الأمريكي للعراق. ففي تلك الفترة كان هناك حوالي 150000 جندي أمريكي بكامل عتادهم اضافة الى الأسلحة الثقيلة الأخرى والطائرات والمقاتلات الحربية الحديثة وعلى الرغم من كل تلك الآلة الحربية الضخمة إلا أن القوات الأمريكية فشلت في السيطرةعلى الوضع الأمني المتدهور ، بل إن العمليات العسكرية ضد تلك القوات بدأت تتزايد مع تزايد خبرة وفاعلية المقاومة العراقية . وقامت القوات الأمريكية بمساعدة القوات العراقية بالعديد من العمليات الهجومية ضد المقاومة المسلحة في مناطق عديدة مثل الأنبار وبغداد وتلعفر وسامراء وغيرها من المناطق الاخرى ، غير أن تلك المحاولات باءت بالفشل واظهرت عجز تلك القوات عن السيطرة على تلك المناطق ، بل إن خسائرالقوات الأمريكية بدأت تتزايد مما يوحي بأنها تواجه حربا طويلة في العراق.

وباستقراء الواقع العراقي نرى أن القوات الأمريكية تتواجد في أغلب مناطق العراق عدا منطقة كردستان وبعض مناطق الجنوب التي تقع تحت سيطرة القوات البريطانية وقوات بعض الدول الأخرى . ونظراً لإخفاق القوات الأمريكية في فرض السيطرة على كل تلك المناطق فقد أمر الرئيس الأمريكي - بمحاولة يائسة - أرسال 30000 جندي أمريكي للعراق وذلك بهدف السيطرة على دوامة العنف في بغداد وبعض المناطق المحيطة بها.

وبعد مرور عدة أشهر على خطة أمن بغداد إلا أن الوضع بدا أسوأ من ذي قبل فقد طالت الضربات نائب رئيس الوزراء ونائب رئيس الجمهورية ومقر البرلمان العراقي المحصن في المنطقة الخضراء ، واتسع نطاق العنف ليشمل مناطق الجنوب والتي كانت مستقرة نسبيا مما يشكل دليلاً قاطعاً على فشل الخطة الأمنية الأخيرة.

وفي تطور لاحق صوت مجلس الشيوخ الأمريكي لصالح قرار يقضي بتقسيم العراق إلى ثلاث مناطق فدرالية على حسب التنوع الطائفي والقومي ، مما اعتبر محاولة أمريكية يائسِة للخروج من المأزق الخطير الذي وضع بوش قواته فيه. وقد جوبه هذا القرار بالتنديد والإستنكار والرفض من اغلب الجهات الرسمية وغير الرسمية داخل وخارج العراق ، فيما اعتبره البعض سابقة خطيرة سوف تلقي بظلالها السلبية ليس على العراق فحسب وإنما على المنطقة بأسرها  ومع تزايد الضغوط على الرئيس الأمريكي من داخل الولايات المتحدة والواقع على الأرض من أجل وضع جدول زمني لسحب قواته من العراق ولأن الواقع اثبت عدم قدرة تلك القوات على الأستمرار في تحمل الخسائر البشرية والمادية في العراق إلى أجل غير مسمى  يبقى أمام الرئيس الأمريكي ثلاثة خيارات للتعامل مع استمرار التواجد العسكري في العراق:

1- الاستجابة للضغوط والأنسحاب المفاجئ والسريع من العراق وترك الحكومة الحالية بدون غطاء ، وهذا الخيار سوف يصعد الحرب الطائفية ويزيد تدخل دول الجوار وخصوصاً إيران .

2- اللجوء إلى حل وسط من خلال الموافقة على وضع جدول زمني لانسحاب قواته من العراق مع إلغاء العملية السياسية وتسليم السلطة إلى حكومة عراقية وطنية قادرة على ضبط الأمن تدريجياً.

3- الاستمرار باحتلال العراق والأبقاء على قواته هناك على أمل السيطرة على البلاد والقضاء على المقاومة المسلحة.

واذا ما أصر الرئيس الأمريكي على الخيار الثالث فإنه كما قال صدام لأحد مساعديه

 عشية الاحتلال الأمريكي لبغداد ( أن بوش سينتحر في العراق).