التكفير .. بدعة ضالة   عدد القراء : 1769   .

 

إن بدعة الخوارج كانت الطعن في الائمة والمجتهدين وتكفيرهم، فأبتدأ أمرهم ببدعة وانتهى بكفر وردة.
من حديث عليّ (رضي الله عنه) قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : يرمقون من الدين كما يرمق السهم من الرمية) متفق عليه.
فهؤلاء كفروا المسلمين، واستحلوا دماءهم وأموالهم ونساءهم، وزعموا أن كل ذنب من كبائر الذنوب فهو عندهم كفر يخرج من الملة، فوقعوا في فتنة التكفير، التي نها الاسلام عنها.
إذ ان المسلم والكافر حكمهما الى الله تعالى، فالذي يحكم بالكفر هو الله، والذي يحكم بالاسلام هو الله، فليس لاحد ان يكفر مسلما، وهو ليس بكافر في حكم الله.
قال تعالى: (إن الحكم الا لله يقص الحق وهو خير الفاصلين) (الانعام) .
وقال تعالى: (أفحكم الجاهلية يبغون ومن أحسن من الله حكما لقوم يوقنون) المائدة.
عن ابن عمر (رضي الله عنه) قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (اذا قال الرجللاخيه: يا كافر: فقد باء أحدهما، فإن كان كما قال والا رجعت عليه) متفق عليه.
 وعن ابي ذر (رضي الله عنه) انه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (من دهعا رجلا بالكفر او قال: عدو الله، وليس كذلك الا حار عليه) متفق عليه.
لذا يجب أن ينزه الانسان لسانه وقلبه عن تكفير المسلمين لمجرد الهوى والظن والشبهة، فإن الحكم بالتكفير ليس للافراد، بل هو لله ورسوله، من كفره الله ورسوله فهو كافر، لان من ثبت ايمانه بيقين لم يزل ذلك عنه بالشك.
ومما ينقض التوحيد، هو تكفير اهلها وعدم تكفير من كفر به، واستحلال قتال أهله، فكانت القاعدة الشرعية: (من كفر مؤمنا فقد كفر، ومن لم يكفر الكافر فقد كفر، ومن شك في كفر الكافر فقد كفر).وانما كان تكفير المؤمن كفرا، لان فيه طعنا في الايمان نفسه، كما كان الشك في كفر الكافر او تصحيح مذهبه او عدم تكفيره، كفرا لانه تكذيب لله ورسوله.
وعلى هذا فان المخطئ في الاجتهاد السائغ بين العلماء، لا يؤثم ولا يكفر، سواء أكان الخطأ في المسائل العملية أو العقائدية.
قال تعالى: (وليس عليكم جناح فيما أخطأتم به ولكن ما تعمدت قلوبكم وكان الله غفورا رحيما) (الاحزاب).
عن عمرو بن العاص (رضي الله عنه) أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (اذا حكم الحاكم فاجتهد فاصاب فله اجران، واذا حكم فاجتهد ثم اخطأ فله أجر ) متفق عليه.
قال ابن تيمية: (إن علماء المسلمين المتكلمين في الدنيا باجتهادهم، لا يجوز تكفير احدهم بمجرد خطأ اخطأه في كلامه.. فإن تسليط الجهال، على تكفير علماء المسلمين في اعظم المنكرات، وقد اتفق اهل السنة والجماعة على ان علماء المسلمين لا يجوز تكفيرهم بمجرد الخطأ المحض) مجموع الفتاوى (100/35).
وقال ايضا: ( من كان من المؤمنين مجتهدا في طلب الحق، واخطأ، فان الله يغفر له خطأه، كائنا ما كان، سواء كان في المسائل النظرية أو العملية. هذا الذي عليه اصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وجماهير ائمة المسلمين)مجموع الفتاوى (345/23).
فكان منهج أهل العلم أنهم يخطئون ولا يكفرون. ولا يعرف عن احد من الصحابة والتابعين لهم باحسان. ولا يعرف عن احد من ائمة المسلمين، انهم يكفرون المخطئ من العلماء.
أما أهل البدع، فأنهم يكفرون بعضهم بعضا، لانهم يبتدعون بدعة ويكفرون من خالفهم. (ابن تيمية: منهاج السنة 60/3 ).
ويلزم الحذر والاحتياط في تكفير المعينين، وذلك اذا تيقن بالدليل الشرعي القطعي، لا بالظن والهوى، ان فعلا معينا لا يحتمل تاويلا غير الكفر، جاز لأهل العلم فقط وصف ذلك الفعل بالكفر، واطلاق لفظ الكافر على من فعل ذلك الفعل، ولكن لا يجوز بأي حال أن نطلقه على شخص بعينه الابعد تحقيق شروط التكفير وانتفاء الموانع عنه، وذلك ببيان وتوضيح الامر الشرعي له، وإزالة كل الشبهات عنه، ثم يصر بعد ذلك على الفعل الكفر، حيث ذلك يجوز الحكم عليه بأنه كافر، ولكن هذا الحكم ليس متروكا لأحاد الناس، وانما هو من اختصاص قاض مسلم قادر على ابلاغ البينة واقامة الحجة لاصدار الحكم، وذلك لأن تعيين وصف الكفر لشخص بحد ذاته، يعني اصدار حكم شرعي، تترتب عليه امور شرعية تتعلق بالردة عن الاسلام.
قال تعالى: (ومن يرتدد منكم عن دينه فيمت وهو كافر فأولئك حبطت أعمالهم في الدنيا والاخرة وأولئك اصحاب النار هم فيها خالدون) (البقرة).
عن ابن عباس (رضي الله عنه) قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (من بدل دينه فاقتلوه) رواه البخاري.
قال ابن تيمية: (فليس لأحد أن يكفر أحدا من المسلمين، وان اخطأ وغلط، حتى تقام عليه الحجة وتبين له المحجة، ومن ثبت ايمانه بيقين لم يزل ذلك عنه بالشك، بل لا يزول الا عند اقامة الحجة وازالة الشبهة). مجموع الفتاوى (500/12).
وقال ايضا: (ان المقالة التي هي كفر بالكتاب والسنة والاجماع، يقال هي كفر قولا يطلق، كما دلت على ذلك الدلائل الشرعية، فان الايمان من الاحكام الكتلقاة عن الله ورسوله صلى الله عليه وسلم، ليس ذلك مما يحكم فيه الناس بظنونهم واهوائهم، ولا يجب أن يحكم في كل شخص قال ذلك بانه كافر، حتى يثبت في حقه شروط التكفير وتنتفي موانعه) مجموع الفتاوى (165/35).
فكان منهج اهل السنة والجماعة ان لا ينسبون اهل الاسلام للكفر، ولا يحكمون عليهم به، ولا يكفرونهم بذنب ما لم يستحلوه بعد اقامة الحجة وازالة الشبهة من قبل قاض مسلم أهلا لاصدار الحكم الشرعي، مع التثبت وعدم التسرع في التكفير. وقد صرح بعض السلف بذلك: (لو وجدت عند احد من المسلمين قولا او عملا، يكفر صاحبه من تسع وتسعين وجها، ويحتمل عدم التكفير من وجه واحد، لاخذت بهذا الاحتمال ولما كفرته).
فهذه دعوة صادقة ومخلصة لنتق الله حق تقاته في الاسلام وأهله.