استشعار المسؤولية   عدد القراء : 2485   .

 

ان تولي امر الامة او قيادتها ليس بالامر الهين كما تتصوره اكثر القيادات التي تحرص عليه ولا تفكر في عواقبه. ان قيادة الامة وحتى مجموعة ما امر عظيم واثره جسيم، وقد حرصت مصادر التشريع الاسلامي على بيان المسؤوليات المترتبة على هذه الوظيفة واكدت عليها في كثير من نصوصها الشرعية حتى تترسخ معانيها في شخصية القيادة الربانية ونستشعر مسؤوليتها ومن صور ذلك:
1- التاكيد على ان الجميع مسؤول واعظمهم مسؤولية هم القادة.
يقول الله تعالى: (فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ * عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ) الحجر (92/ 93) روي عن ابن عباس في تفسير هذه الآية قوله:لا يسالهم هل عملتم كذا؟ لانه اعلم بذلك منهم ولكن يقول! لم عملتم كذا وكذا(ابن كثير 3/ 866)
ويقول سبحانه: (وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْؤُولُون) ويقول الله تعالى: (وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ) ويقول عليه الصلاة والسلام: (كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته فالامام الاعظم على الناس راع وهو مسؤول عن رعيته والرجل راع في اهل بيته وهو مسؤول عن رعيته والمرأة راعية على بيت زوجها وولده وهي مسؤولة عنهم وعبد الرجل راع على مال سيده وهو مسؤول عنه، الا فكلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته) متفق عليه ، وفي رواية اخرى في آخر الحديث فأعدوا للمسألة جوابا، قالوا: يا رسول الله وما جوابها؟ قال: اعمال البر (رواه الطبراني بسند صحيح)
     وقد بدأ النبي صلى الله عليه وسلم بالقائد والامام لعظم مسؤوليته وقد استرعاه الله الرعية وعليه ان يستعد للاجابة عنهم  يوم القيامة .
2- التاكيد على ان الاعمال جميعا ستكون حاضرة يوم القيامة وسيسئل عنها يقول الله تعالى: (يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَراً وَمَا عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَداً بَعِيداً )(آل عمران: من الآية30  ، ويقول تعالى: (وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِراً )(الكهف: الآية49 ويقول سبحانه: (فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ  * وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَهُ) (الزلزلة:7- 8
3- ليست اعمال جوارح القائد  متعلقة به فحسب وانما هي متعلقة ايضا بالآخرين ولذا سوف يشتد  حسابه ولا يسئل عن شيء الا وهو متعلق برعيته ، يقول النبي (صلى الله عليه وسلم): ( لن تزولا قدما عبد  يوم القيامة حتى يسئل عن اربع :عن عمره فيما افناه ،وعن شبابه فيما ابلاه ،وعن ماله من اين اكتسبه وفيم انفقه، وعن علمه ماذا عمل به) رواه الترمذي.
فسوف يسئل القائدعن عمره وان اشد لحظات عمره التي سوف يسئل عنها تلك الفترة التي قضاها في ولايةالامة ، وسيسئل عن قوته ونشاطه واشدها مسألة قوته وبأسه في  اثناء ولايته.
ثم يسئل عن المال من اين اكتسبه وكيف اخذه وخاصة اموال المسلمين العامة واموال الرعية الخاصة ابحقها اخذها ام ظلما انتزعها وكذلك سيسئل عن انفاقها افي مصارفها الشرعية ام في ملذاته وشهواته وعلى المتملقين له من البطانة والشعراء والكتاب ، واخيرا سيسئل عن الشريعة هل طبقها م تنكر لها وسيحاسب على كل قانون سنه او امر اصدره او حكما انفذه هل هو شرعي اويحقق مصلحة شرعية، ام انها ليست من الشريعة بل مخالفة لها .
4- السؤال سيكون عن الامور العظيمة والصغيرة.
ان الله تعالى سيسأل القادة عن كل شيء صدر عنهم في الدنيا كبيرا كان ام صغيرا ،عظيما كان ام حقيرا فمن الامور العظيمة التي سيسئل عنها تحكيم الشريعة  ومتابعة النبي (صلى الله عليه وسلم) يقول عليه الصلاة والسلام: (انتم تسألون عني يوم القيامة فماذا انتم فاعلون) (رواه مسلم)
كما انه سيسئل عن شعائر الله كافة هل احياها ام عطلها وخاصة الصلاة فاذا كان الناس سيسئلون عن اقامتها كما في  قوله عليه الصلاة والسلام : ان اول ما يحاسب به العبد يوم القيامة من عمله صلاته، فان صلحت فقد افلح وانجح ، وان فسدت ، فقد خاب وخسر ، رواه الترمذي وابو داود ، فان القائد سيسئل عن اقامة الجمع والجماعات ولاهمية ذلك جعلها النبي الفاصل في الخروج على الامام ومنازعته يقول النبي (صلى الله عليه وسلم): خيار ائمتكم الذين تحبونهم ويحبونكم ، وتصلون عليهم ويصلون عليكم ، وشرار ائمتكم الذين تبغضونهم ويبغضونكم، وتلعنونهم ويلعنونكم، قلنا : يا رسول الله، افلا ننابذهم ؟ قال: لا ما اقاموا فيكم الصلاة ، لا ما اقاموا فيكم الصلاة ، رواه مسلم  ومن الامور العظيمة التي سيسئل عنها الدماء التي اريقت في ولايته  يقول النبي (صلى الله عليه وسلم): اول ما يقضى بين الناس  يوم القيامة الدماء ،متفق عليه  لذا سيسئل عن دماء جميع رعيته  ومن هو تحت  مسؤوليته حتى الحيوان ان قتل لغيرحاجة يقول عليه الصلاة والسلام: (ما من انسان يقتل عصفورا فما فوقها بغير حقها الا سأله الله عز وجل يوم القيامة، قيل يا رسول الله وما حقها؟ قال حقها ان يذبحها فيأكلها ولا يقطع رأسها  فيرمي بها (رواه النسائي) فاذا كان يسئل عن دم عصفور فكيف بدماء المسلمين ان استبيحت بغير حق فليعلم القائد والوالي ان سيسئل عن كل دم سفك وعن كل  مال اغتصب وعن كل حق ضيع او فرط به.- استشعار المسؤولية تكون في جميع الحقوق المتعلقة بالقيادة.
واول الحقوق التي عليه ان يراعيها لانه مسؤول عنها هي حقوق الله تعالى عليه وكذلك حقوق نفسه واهله عليه  وحقوق الرعية وهي اوسعها ،يقول النبي (صلى الله عليه وسلم): ما من امير عشرة الا يؤتى به يوم القيامة مغلولا لا يفكه منها الا عدله وفي رواية لا يطلقه الا الحق ، رواه الامام احمد ؛ ويذكر ان الخليفة هارون الرشيد حج عاما فلقيه الامام عبدالله بن المبارك عند البيت فقال له : يا امير المؤمنين هل ترى كل واحد من هؤلاء يسأل الله حاجته ؟ قال : بلى ، قال ابن المبارك : وانت سوف تسئل عن هؤلاء جميعا يوم القيامة ، فسقط الرشيد مغشيا عليه.
6- على القيادة ان تذكر نفسها ورعيتها خاصة المقربين منها بالمسؤولية يوم القيامة خاصة عند النعيم كما قد يصاحبه من اسراف وتبذير يقول الله تعالى: (ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ) .
ويقول عليه الصلاة والسلام: (ان اول ما يسأل عنه يوم القيامة من النعيم ان يقال: (الم نصح لك جسمك ونرويك الماء البارد)(رواه الترمذي) وعن ابي عسيب مولى رسول الله (صلى الله عليه وسلم) ان رسول الله (صلى الله عليه وسلم) دخل حائطا (بستانا) لبعض الانصار ومعه ابو بكر وعمر فقال لصاحب الحائط: اطعمنا بسرا ، فجاء صاحب الحائط  بعذق فوضعه، فأكل رسول الله واصحابه ثم دعا بماء بارد فقال: لتسألن عن هذا يوم القيامة ، فقالوا :يا رسول الله اننا لمسؤولون عن هذا يوم القيامة؟ قال: نعم الا من ثلاث: خرقة يكف بها عورة، وكسرة يسد بها جوعته وجحر يدخل فيه من الحر والبرد: وفي رواية هذا والذي نفسي بيده من النعيم الذي تسألون عنه يوم القيامة ظل بارد، ورطب  وماء بارد: (رواه الترمذي).
فأتمنى من القيادات والرؤساء الملوك وهم يتقلبون في نعيم الولاية والحكم ان يتفكروا في عاقبة الامر وكيف سينتهي حالهم وكيف يكون جوابهم عندما يوقفهم مليكهم.
فعن ابي سعيد عبد الرحمن بن سَمُرة (رضي الله عنه)، قال: قال لي رسول الله (صلى الله عليه وسلم):( يا عبد الرحمن بن سَمُرة: لا تسأل الإمارة. فإنك ان أُعطيتها عن غير مسألة أُعنت عليها، وإن أُعطيتها عن مسألة وكلت اليها، واذا حلفت على يمين، فرأيت غيرها خيراً منها، فأت الذي هو خير، وكفر عن يمينك) متفق عليه. [ البخاري (7146) ومسلم (1652)].
وعنه قال: قلت يا رسول الله الا تستعملني ؟ فضرب بيده على منكبي ثم قال: (يا ابا ذر انك ضعيف، وانها امانة، وانها يوم القيامة خزي وندامة، الا من اخذها بحقها، وادى الذي عليه فيها) رواه مسلم [(1825)]، وعن ابي هُريرة (رضي الله عنه) ان رسول الله (صلى الله عليه وسلم) قال: (انكم ستحرصون على الامارة وستكون ندامة يوم القيامة) رواه البخاري [( 7148)ٍ].