الأمس واليوم/عبد الستار الحارثي   عدد القراء : 455   .


صحيح أن لكل عصر أدبه وهو ابن المؤثرات التي تعطيه شكلها فالأدب هو ثمرة تفاعل بين الأديب وبيئته إضافة إلى ما تتركه التيارات الثقافية والاجتماعية والسياسية في بدايات تشكيل وعي الأديب والمثقف. انه الثمرة التي تنبثق نتيجة تفاعلات بين البذرة والطين والماء وأشعة الشمس, فإننا بذلك نضع عنصرا إنسانيا مشتركا يجمع بين آداب العصور المختلفة في التاريخ الأدبي للشعب الواحد بل في آداب الأمم جميعا. وإلا أصبحت ترجمة الآداب الأجنبية والقديمة عبثا لا طائل تحته. فالتجربة الشعورية باقية ما بقى الإنسان.تجربة الحب مثلا وهي التجربة المحور في الوجدان الإنساني مهما اختلفت الأزمنة والأوقات وتباينت البيئات فما زال الإنسان يهتز طربا لكل قصة حب أو قصيدة تحمل نفس يحكي عن الحب وشجونه.  تحت قدمي.فليس كل جديد جديرا بالبحث ومجرد كونه جديد لا يعني انه أفضل مما سبقه ففي تاريخ الثقافة كما في التاريخ السياسي فترات ركود وفترات انحسار وتراجع. وكما هو الحال ما يحدث في بلاد الرافدين من انحسار وتردي للوضع الثقافي نتيجة للظروف التي أوجدها الاحتلال. لكن هذا لا يلغي تلك الاضاءات الجميلة التي تظهر هنا وهناك لتنير ظلال اللوحة الكالحة التي تغطي حياتنا. فكل مدينة في العراق تزخر بمئات قصص التضحية والحب والتوق إلى الخلاص من بؤس الحاضر. أن ما أذهلني في إحدى الشواهد التي رايتها كان احد الرجال وقد بترت قدمه نتيجة لعبوة ناسفة كان يحبو على الأرض لا لكي ينقذ نفسه مما هو فيه بل رايته يحمل احد الأطفال على ظهره وهو يصرخ انقذو الطفل واتركوني ... إنها صورة تظهر مدى امتداد لغة الحب والتضحية في روحية الإنسان العراقي. لقد تقصدت ذكر المثال الأول وهو بواكير علاقة الحب بين الجنسين في الألف الرابع قبل الميلاد. وها نحن في الألف الثالث بعد الميلاد ونجد أمامنا ما يحدث في بلد الحضارات من قتل وتدمير لكل ما يحمل الإنسان من معاني الحب والتضحية... إنها ميلودراما غير طبيعية قد يتوقف العقل أمامها وتحبو الإنسانية زاحفة إلى نهاياتها المأساوية. لم يعش العراقيون طوال تاريخهم حزنا كالذي يعيشون الآن حيث تحول موت الإنسان إلى طقس يومي والمئات يموتون تحصدهم العواصف المفاجئة بقسوة وبدون رحمة... ومع ذلك ينبت في ذات الوقت ميلا غريبا للرفض والتحدي.