إذن ماذا نسمي هذا؟   عدد القراء : 850   .


إبراهيم قرةغل

إنه يوم من الأيام غير (الإعتيادية) أبدا... أربع شاحنات محملة بالوقود تدخل الى القحطانية التي تبعد 100 كم عن الموصل. ثم تنفجر كلها في المنطقة التي يعيش فيها الأكراد اليزيديين. والنتيجة هي: 200 قتيل ومئات الجرحى وهدم 30 دار.

واذا ما أضفنا الى هذا العدد من القتلى عدد الذين قتلوا في تفجيرات أخرى من بقية مناطق البلد، فإن الحصيلة تكاد تصل الى 300 قتيل. إنه يوم (اعتيادي)... إنه يوم إعتيادي لبلد بات فيه الجنون اعتياديا، والموت اعتياديا، والتوحش اعتياديا، والقسوة اعتياديا، و(سقوط) القيم اعتياديا، والاستهداف اعتياديا..

ماذا يفرق لو كان القتيل عسكريا، أو رجلا مدنيا، أو إمرأة، أو طفلا؛ أو شيعيا، أو سنيا، أو كرديا، أو يزيديا!! لا يفرق أبدا... الكل بشكل أو آخر جزء من الظلم الواقع. والكل يقتل بعضهم البعض. والآخرين يقتلهم جميعا.

لنفكر قليلا.. كيف هو هذا البلد؟ كيف يمر اليوم في هذا البلد الذي يبعد عنا عدة كليومترات فقط والذي لا يزال ينزف منذ سبعة عشرة سنة .

لنجري عملية حسابية: كم شخص يموت يوميا في العراق... وكم شخص قتل منذ آذار عام 2003؟ بكل تأكيد لن نحصل على الأرقام الحقيقة. ولكن يمكننا أن نحصل من المعطيات المتوفرة على معدلات تقديرية.. عندها علينا أن نتساءل عن مدلولات هذه الأرقام.

عدد القتلى منذ الغزو بلغ المليون تقريبا. والسبب هو الاحتلال الأمريكي. إن هذا الرقم هو حصيلة الاحتلال، والصراع العرقي، والحرب الأهلية، والعنف الطائفي، ,والمليشيات. لنضف الى هذا العدد عدد الذين اختفوا. الحصيلة هي مليون.. من المسؤول عن مقتل مليون شخص؟ بكل تأكيد الولايات المتحدة الامريكية. سواء مسؤولية مباشرة أو غير مباشرة. لننظر بنفس الشكل الى عموم الشرق الأوسط. سنجد أن هناك 3 ملايين قتيل نتيجة التدخلات الأمريكية بشكل مباشر أو غير مباشر. 3 ملايين إنسان.

كيف يمكننا تعريف هذا؟ بأي كلمات نستطيع التعبير عن مثل هذا القتل؟ لماذا لا يجوز إطلاق مصطلح (الإبادة) على مثل هذا القتل الجماعي؟ خصوصا وإن هذا الرقم في تزايد مستمر يوما بعد آخر. لنرجع الى الوراء قليلا:

مات مليون طفل عقب حرب الخليج عام 1991 على أثر الحصار الإقتصادي الذي فرضته الأمم المتحدة بضغط من الولايات المتحدة الأمريكية. نعم، حينما نطلع على تقرير منظمة الصحة العالمية نجد فيه احصائية خطيرة. فبين عامي 1991- 1998 مات 794 ألف و216 طفل بسبب الحصار الاقتصادي. وبالإمكان الحصول على تفاصيل دقيقة حول معدل الوفيات السنوية من موقع المنظمة. فقد مات 125 ألف و900 طفل في عام 1998 فقط. جميع هؤلاء كانوا دون سن الخامسة. وقعت "إبادة" على مقربة منا بكل هدوء... إبادة بقرار من الأمم المتحدة التي تعتبر مصدرا للشرعية الدولية...ومات أكثر من 100 ألف مواطن عراقي في الفترة ما بين آذار 2003 وأيلول 2004، أي بعد الاحتلال مباشرة. ومع هذا فقد تبين أن هذه الإحصائية احصائية كاذبة، أو بالأحرى لم يتم إحصاء عدد القتلى بشكل دقيق، وإن ما تناقلته وسائل الإعلام الأمريكية من الأرقام هو أقل بتسعة أضعاف من الأرقام الحقيقية. هذا ما كشفت عنه مجلة " Lancet " الإنكليزية المهتمة بشؤون الطب في تقرير خاص بالموضوع. بعد هذا التقرير المثير للجدل بدأ العالم يراقب هذا الوضع (التراجيدي) في العراق.

وقامت المجلة بنشر تقرير آخر عام 2006. كشفت خلاله عن وصول عدد القتلى الى 601 ألف و 27 شخص. أي إنه قتل 400 ألف إنسان خلال عامين فقط... أثيرت نقاشات كثيرة حول هذا الرقم أيضا حسنا، كم صار هذا الرقم بعد عام واحد؟ إليكم هذا الرقم. طبعا هو قابل للنقاش.. هناك معلومات عن أرقام مخيفة.. ولكننا لا نملك أية أدلة حولها... حسب مصدر هذه المعلومات فقد تجاوز عدد القتلى (المليون) شخص. وتعتمد هذه المعلومات على دراسة أعدتها مجموعة عمل عراقية "Iraq Body Count "هذه الدراسة تروي حكاية مقتل مليون إنسان.

هذا هو عدد الذين ماتوا أو قتلوا في جارتنا العراق منذ آذار 2003. ولو عدنا الى ما قبل الاحتلال لغاية عام 1991، سنجد أن هناك مليونا آخر قتلوا. أي مات مليونا إنسان في العراق. كل ذلك بسبب التدخلات المباشرة أو غير المباشرة للولايات المتحدة الأمريكية.. طبعا استبعدنا عدد الذين قتلوا في الحرب الايرانية- العراقية التي وقعت بتحريك من أمريكا، وعدد الذين قتلوا في حرب الخليج.

في عام 1994 مات خلال حرب الإبادة في راوندا 800 ألف إنسان. لقد تم إطلاق مصطلح (إبادة) على هذه العملية، وتم تأسيس المحاكم من أجلها. إن القتل في العراق قد تجاوز ما وقع لراوندا منذ زمان.. وقد اعتبرت الادراة الأمريكية رسميا ما حصل في دارفور عملية (إبادة)، وتم تحريك العالم في هذه القضية.

حسنا.. كيف لنا أن نعرّف ما يجري في العراق من القتل؟ على مَن نلقي المسؤولية؟ إذا قلنا إنه (إبادة) سوف يعترضون مباشرة.. سيقولون لم تتحقق بعد عناصر الإبادة!!! في حين يكاد بلد بكامله يمحى من الوجود. إننا أمام مجازر تقع نتيجة الاحتلال، والحرب الأهلية، والصراع العرقي والطائفي، وتصفية الحسابات ما بين الاحزاب السياسية... ومع هذا فإن مصدر كل هذا هو الاحتلال الأمريكي- الإنجليزي. فضلا عن كون التنبؤات حول مستقبل هذا البلد مروعة جدا.

مَن هو المسؤول؟ من المتهم؟ وكيف لنا أن نعرّف هذه (التراجيديا)؟

ما حصل في راوندا هو (إبادة).. ما حصل في دارفور هو (إبادة).. إذن ماذا نسمي هذا؟

المصدر: صحيفة ( يني شفق) التركية.