| مراعاة المقتضى/د/ جابر قميحة   عدد القراء : 595   .
مقتضى الحال - ويسمى الاعتبار المناسب- هو الصورة المخصوصة التي تورد عليها العبارة، مثلا المدح حال يدعو لإيراد العبارة على صورة الإطناب، وذكاء المخاطب حال يدعو لإيرادها على صورة الإيجاز. فكل من المدح والذكاء حال وكل من الإطناب والإيجاز مقتضى. وإيراد الكلام على صورة الإطناب، أو الإيجاز مطابقة للمقتضى. والحال هو الأمر الداعي إلى إيراد الكلام على صورة مخصوصة، سواء أكان ذلك الأمر الداعي ثابتا في الواقع، أم كان ثبوته بالنظر لما عند المتكلم. ولكن العرف البلاغي لا يقف طويلا أمام المفهوم الحاد لمصطلح مقتضى الحال ومراعاته، ويكاد يوظفه مرادفا لصفة (التناسب)، وهذا - في رأيي أفضل وأجدى من الناحية العملية. فيجب أن يكون البيان مناسبا للمقام والموقف، وشخصية المخاطب، فلا يكلم الملوك بما يكلم به السوقة مدحا أو هجاء: فالمرزباني يعرض للقصيدة التي يهجو البحتري فيها المستعين بالله، والتي مطلعها: أعاذلتي على أسماءَ ظلما وإجراءِ الدموع لها الغزارِ يقول المرزباني "وهذه الأبيات من أقبح الهجاء وأضعفه لفظا، وأسمجه معنى.. وهي أيضا خارجة عن طريقة هجاء الخلفاء والملوك المألوفة، وهى بهجاء سفلة الناس ورعاعهم أشبه، مع ما جمعت من سخافة اللفظة، وهلهلة النسج، والبعد من الصواب. وتثور في المباحث البلاغية -عن تقييم الأساليب- مسألة التفضيل بين الإيجاز والإطناب، فهناك من يرى أن البلاغة إيجاز،وأن خير الكلام ما قل ودل، وأن الزيادة في الحد نقصان. وهناك من يفضل الإطناب على الإيجاز بدعوى أن المنطق "إنما هو بيان، والبيان لا يكون إلا بالإشباع، والشفاء لا يكون إلا بالإقناع، وأفضل الكلام أبينه، وأبينه أشد إحاطة بالمعاني، ولا يحاط إحاطة تامة إلا بالاستقصاء. والواقع أن المفاضلة بين الإيجاز والإطناب -بهذا الإطلاق. في غير محلها، لأنها تغفل في الموازنة عن عنصر مهم جدا هو عنصر المقام، أو المجال أو المناسبة. ونحن نرى في هذه المسألة ما يراه أبو الهول العسكري من أن الإيجاز والإطناب يحتاج إليهما في جميع الكلام.. ولكل واحد منهما موضع، فالحاجة إلى الإيجاز في موضعه كالحاجة إلى الإطناب في مكانه، فمن أزال التدبير في ذلك من جهته واستعمل الإيجاز في موضع الإطناب أخطأ. وكان النبي صلى الله عليه وسلم في بيانه هو المثل الأعلى في هذه السمة: سمة الغرض ومقتضى الحال، فهو -على حد قول الجاحظ استعمل المبسوط (الأطناب) في موضع البسط، والمقصور (الإيجاز) في موضع القصر. فهو يستخدم الإطناب في معاهداته لما تحمله من حقوق وواجبات، كما نرى في صلح الحديبية. وفي كتاب الموادعة الذي كتبه بعد هجرته من مكة إلى المدينة، ويمثل دستور عمل ومعايشة فى المجتمع الجديد وهو صلى الله عليه وسلم يستخدم الإيجاز في المقام الذي يقتضيه، فحينما بعث إليه مسيلمة الكذاب بكتابه الذي يدعي فيه النبوة، وأنه شريكه في الأرض، ولكن قريشا قوم لا يعدلون، جاء جواب رسول الله صلى الله عليه وسلم في سطرين أما بعد فإن الأرض لله يورثها من يشاء من عباده، والعاقبة للمتقين وحقق رسول الله صلى الله عليه وسلم بهذا الإيجاز غرضين: أولهما الترفع عن الخوض في جدل عقيم مع رجل دعيّ، لا همّ له إلا الجاه والسلطان وأبهة الدنيا. وثانيهما: تقرير الرد في صورة حقيقة عامة تعتبر جوهرا من جواهر العقيدة الإسلامية، وهي أن الأرض لله يورثها من يشاء بل قد يصل الإيجاز إلى درجة من التكثيف والتقطير، فتصبح الرسالة أشبه ما تكون بالبرقية، فقد كتب إلى عمه العباس بن عبد الملطب ما نصه إن مقامك بمكة خير. ومراعاة مقتضى الحال تعد الصفة الجامعة التي يستظل بها كل الملامح والسمات الفنية الأخرى، فوجودها مع تخلف هذه السمة الأساسية يعد وجودا عبثيا لانعدام التناسب والتوافقية بين الإبداع والأشخاص والبيئة المكانية والزمانية.
|